أخر الأخبار

مجتمعٌ بلا ضمير. بقلم:عبير الزلفي

حين ينفصل القول عن الفعل

مجتمعٌ بلا ضمير: حين ينفصل القول عن الفعل

بقلم:  عبير الزلفي.
في لحظةٍ ما من تاريخ أي جماعة بشرية، يحدث الانفصال الأخطر: أن ينفصل القول عن الفعل. عندها لا يسقط المجتمع فجأة، بل يتآكل بصمت. يصبح الخطاب الأخلاقي حاضرًا بكثافة، بينما تغيب الأخلاق نفسها عن الممارسة اليومية. يعلو الصوت بالقيم، لكن القيم لا تجد طريقها إلى السلوك.
المجتمع الذي يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، لا يعيش أزمة قوانين، بل أزمة وعي. فالقانون قد يضبط الأفعال ظاهرًا، لكن الضمير وحده يضبطها باطنًا. وعندما يتراجع الضمير، تتحول الكلمات إلى أدوات تجميل، تُستخدم لتغطية التناقض لا لمعالجته.
في هذا المناخ، تصبح الازدواجية قاعدة لا استثناء. يُحتفى بالصدق في الخطب، ويُستبعد في المعاملات. تُدان الخيانة نظريًا، وتُمارس عمليًا تحت مسميات أكثر لُطفًا. ويتحول النفاق من سلوك فردي معيب إلى مهارة اجتماعية تمنح صاحبها القبول والنجاة.
فلسفيًا، الضمير ليس مجرد شعور بالذنب، بل هو الوعي الداخلي الذي يربط الإنسان بحقيقة أفعاله.

إنه المساحة التي يلتقي فيها الإنسان بذاته دون شهود. وعندما يضعف هذا اللقاء، يصبح الإنسان أكثر انشغالًا بصورته أمام الآخرين من حقيقته أمام نفسه. هنا يتشكل مجتمع الأقنعة، حيث تُقاس القيمة بمهارة الإقناع لا بصدق التجربة.

أخطر ما في مجتمع بلا ضمير أنه يفقد معيار الحكم. فلا يعود هناك فرق واضح بين الصواب والخطأ، بل بين ما يُقال وما يمكن إخفاؤه. ومع الزمن، تتآكل الثقة، لأن الثقة لا تُبنى على الكلمات، بل على تطابقها مع الفعل. وحين يختل هذا التطابق، يصبح الشك هو الأصل، ويصير الصدق استثناءً يُحتفى به كما لو كان بطولة نادرة.

إن استعادة الضمير ليست عودة إلى المثالية، بل عودة إلى الاتساق. فالمجتمع المتماسك ليس الذي يخلو من الخطأ، بل الذي يعترف به. وليس الذي يرفع شعارات كبرى، بل الذي يجرؤ على أن يطابق بين ما يؤمن به وما يعيشه.

فالضمير في النهاية ليس خطبة تُلقى، ولا شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية صامتة. وحين يعود الضمير إلى مركز الفعل، يعود القول صادقًا، ويستعيد المجتمع قدرته على النظر إلى نفسه دون خوف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى