في عتمةِ النَّفْسِ يُولَدُ الضَّوْءُ

في عتمةِ النَّفْسِ يُولَدُ الضَّوْءُ
مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَصْمَتَهُ الفَرِيدَةَ،
الَّتِي تَتَشَكَّلُ وَسْطَ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنْ مُعَوِّقَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ وَخَارِجِيَّةٍ،
وَفِي خِضَمِّ صِرَاعٍ لَا يَهْدَأُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالحَيَاةِ.
وَلَعَلَّ مِنْ أَقْسَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ الإِنْسَانُ
أَنْ يَشْعُرَ بِفَوْضَى عَارِمَةٍ تَعْصِفُ بِدَاخِلِهِ؛
فَلَا يَعْرِفُ مَا بِهِ،
وَلَا يُدْرِكُ كَيْفَ أَصْبَحَ عَلَى هَذَا الحَالِ،
وَلَا يَجِدُ تَفْسِيرًا عَمَّا يَدُورُ بِدَاخِلِهِ
مِنْ غُمُوضٍ وَخَوْفٍ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ.
فَالنَّفْسُ البَشَرِيَّةُ، عَلَى قُوَّتِهَا،
قَدْ تَشْعُرُ بِالضَّعْفِ وَالوَهَنِ أَحْيَانًا؛
تُحَاصِرُهَا الجُدْرَانُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ،
فَلَا تَبْحَثُ عَنْ نَافِذَةٍ لِتَسْتَنْشِقَ هَوَاءً نَقِيًّا،
وَلَا تَشْعُرُ حِينَئِذٍ أَنَّ هُنَاكَ أُفُقًا يُبَشِّرُ بِانْفِرَاجٍ قَرِيبٍ.
تَغْرَقُ فِي عُتْمَةٍ كَثِيفَةٍ،
تَتَشَابَكُ فِيهَا الظِّلَالُ،
وَيَسُودُهَا سَوَادٌ حَالِكٌ؛
حَتَّى يَصِيرَ الطَّرِيقُ غَيْرَ مَعْلُومِ المَصِيرِ،
وَتَزِيدُ التَّسَاؤُلَاتُ:
لِمَ هَذَا الضَّعْفُ؟
لِمَ هَذَا الشُّعُورُ؟
وَرُغْمَ أَنَّ الضَّعْفَ لَيْسَ مِنْ طَبْعِهَا،
إِلَّا أَنَّ شُعُورًا غَامِرًا يَفْرِضُ سَيْطَرَتَهُ؛
دَوَّامَةٌ صَاخِبَةٌ مِنَ الأَفْكَارِ،
يَتَرَدَّدُ صَدَاهَا أَنِينًا فِي القَلْبِ،
وَتَنْعَكِسُ تَمْتَمَاتُهَا وَجَعًا يَسْكُنُ أَعْمَاقَ الرُّوحِ.
وَهُنَا تَبْقَى النَّفْسُ أَسِيرَةَ ذَلِكَ الظَّلَامِ،
وَتَظَلُّ تَبْحَثُ عَنْ نَفَسٍ يُنْقِذُهَا؛
مُحَاوِلَةً كَسْرَ قُيُودِ الخَوْفِ،
وَاسْتِعَادَةَ قُدْرَتِهَا عَلَى الصُّمُودِ.
فَتَهْمِسُ لِنَفْسِهَا بِرِفْقٍ:
أَنَا بِخَيْرٍ… وَلَا بُدَّ أَنْ أَكُونَ بِخَيْرٍ.
وَمَعَ هَذِهِ الهَمْسَاتِ،
تَبْدَأُ رِحْلَةُ البَحْثِ عَنْ طَوْقِ النَّجَاةِ؛
تَتَشَبَّثُ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَغْرَقَ فِي بُحُورِ الأَلَمِ،
وَتُوَاصِلُ السَّعْيَ حَتَّى تَبْلُغَ مَرْسَاهَا.
وَعِنْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
تَنْقَلِبُ القَسْوَةُ رِقَّةً،
وَيَتَبَدَّلُ اليَأْسُ أَمَلًا،
لِتَنْبُتَ فِي الدَّاخِلِ بَوَادِرُ تَفَاؤُلٍ
تَدْفَعُهَا نَحْوَ المُضِيِّ قُدُمًا.
بقلم الأديب محمود طه






