بَيْنَ وَرْدِ اللَّفْظِ وَسَيْفِهِ

بَيْنَ وَرْدِ اللَّفْظِ وَسَيْفِهِ
مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ جَبْرَ الخَوَاطِرِ لَيْسَ بِالمُسَاعَدَاتِ المَادِّيَّةِ فَقَطْ، قَدْ يَكُونُ بِالتَّعْبِيرِ الطَّيِّبِ وَالمُعَامَلَةِ الحَسَنَةِ.
فَالتَّعْبِيرُ هُوَ مِفْتَاحُ القُلُوبِ وَمَنَارَةُ العُقُولِ، مَنْ امْتَلَكَهُ سَارَ جَلِيًّا يَسْطَعُ ضِيَاؤُهُ فِي الدُّرُوبِ. هَلْ يُصِرُّ أَنْ يَظَلَّ فِي العَتْمَةِ أَمْ يَسِيرُ نَحْوَ النُّورِ؟
وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ اللَّفْظِ الحَسَنِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ كَمَا قَالَ الحَبِيبُ المُصْطَفَى ﷺ.
فَبِعِبَارَةٍ نُحْيِي قُلُوبًا قَدْ أَنْهَكَتْهَا الحَيَاةُ، وَتَأَلَّمَتْ وَتَأَذَّى كُلُّ جُزْءٍ فِيهَا.
وَكَمْ مِنْ مَوْقِفٍ صَغِيرٍ يُعِيدُ لِلقَلْبِ نَبْضَهُ؛ فَفِي زَاوِيَةِ طَرِيقٍ مُزْدَحِمٍ، قَدْ تَلْمَحُ رَجُلًا أَثْقَلَتْهُ الهُمُومُ، شَارِدَ الذِّهْنِ، فَتَقِفُ عِنْدَهُ بِكَلِمَةٍ رَقِيقَةٍ: «لَا تَحْمِلِ الدُّنْيَا فَوْقَ طَاقَتِكَ… رَبِّي يُطَمْئِنُ قَلْبَكَ»، فَتَكُونُ لَهُ سَكِينَةً بَعْدَ اضْطِرَابٍ.
وَقَدْ تَرَى شَيْخًا أَضْنَاهُ العُمُرُ، يَبْحَثُ عَنْ عَوْنٍ، فَتَمُدُّ لَهُ يَدَكَ بِعَطَاءٍ، وَتَهْمِسُ لَهُ: «هَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ»، فَتَكُونُ قَدْ جَمَعْتَ بَيْنَ العَطَاءِ وَجَبْرِ الخَاطِرِ.
أَوْ تَلْمَحُ امْرَأَةً بَسِيطَةً تَبِيعُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ خُضْرَاتٍ، قَدْ لَا يَبْدُو عَلَيْهَا الكَمَالُ، فَتَشْتَرِي مِنْهَا بِقَلْبٍ كَرِيمٍ، وَتُجَامِلُهَا بِقَوْلٍ لَطِيفٍ: «مَا أَجْمَلَ مَا تَبِيعِينَ»، فَتُضِيءُ فِي نَفْسِهَا فَرْحَةً لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
فَاللَّفْظُ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَّا فِي تَعَامُلَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ، فَلَا تَجْرَحْ أَحَدًا بِعِبَارَةٍ، لِأَنَّ مَرْدُودَهَا لَهُ أَثَرُهُ السَّلْبِيُّ عَلَى القُلُوبِ.
فَالتَّعْبِيرُ قَدْ يَكُونُ وَرْدَةً مِنْ بُسْتَانِ اللُّغَةِ، وَقَدْ يَكُونُ سَيْفًا حَادًّا.
فَاخْتَرْ أَلْفَاظَكَ بِعِنَايَةٍ، لِتُطَيِّبَ بِهَا الجَوَارِحَ، وَلِتُضَمِّدَ بِهَا جِرَاحَ الكَثِيرِ، وَلِتُسْعِدَ بِهَا القُلُوبَ، وَلِتَشْرَحَ بِهَا الصُّدُورَ، وَلِيَنْبِضَ بِهَا قَلْبُ المُحِبِّينَ الصَّادِقِينَ.
فَاجْعَلْ أَلْفَاظَكَ رَايَةً نَاصِعَةَ البَيَاضِ، تَرْفُرِفُ بِالكَوْنِ كُلِّهِ، وَرِسَالَةَ سَلَامٍ وَمَحَبَّةٍ بَيْنَ الشُّعُوبِ.
بقلم الأديب/ محمود طه






