الخاطرة : سلة المهملات التي احتضنتني بقلم أحمد هيكل

الخاطرة : سلة المهملات التي احتضنتني
بقلمي أحمد هيكل
قيل علي لسان أحدهم بصوت تملؤه قسوة هادئة
دعني أخبرك سراً لم يعرفه عني أحد !
لم أكن يوماً مشروعاً كنت حادثاً
حين سقطت من رحم لم يرحب بي
تعلمت أن أول دروس الحياة هو أن أكون ممتناً لأنهم لم يتركوني في الشارع
لا تعيبوا عليّ خوفي من المرتفعات فأول ارتفاع عرفته كان سقوطي
لا تعيبوا عليّ لهفتي على الحب فأول ما حرمني منه العالم هو حضن أمي
لا تعيبوا عليّ أني أتناول طعامي بشراهة فلم أتأكد أبداً أن هناك وجبة قادمة
أنتم تتعلمون كيف تعيشون
أما أنا فتعلمت كيف لا أموت كل يوم
تعجبون لماذا أحتضن الوسادة وأنا أنام؟
لأن أول سرير عرفته كان أرضاً باردة
تعجبون لماذا أبكي في الأفلام السعيدة؟
لأن السعادة في قاموسي هي شيء يحدث للآخرين
تعجبون لماذا أحب بصوت مرتفع؟
لأنني أريد أن يسمعني من صمتوا عن صراخي طفلاً
الناس تتزين بجراحها وأنا أتوارى خلفها
فالجرح الوحيد الذي لا يخاف منه أحد هو الذي يرتديه صاحبه كوسام
أما جرحي فهو ردائي الوحيد منذ ولدت
لو تعلمون كم مرة بكيت في غرفتي كي لا يراني إخوتي الصغار فيبكون … لسامحتموني على ضعفي اليوم
لو تعلمون كم مرة تظاهرت أني شبعان لأطعم قطاً جائعاً مثلي
لصدقتم كذبتي حين أقول أنا بخير
لا تحاسبوني على حدة طباعي
فمن يعيش أربعون عاماً في غرفة مليئة بالزجاج المكسور لا يمكن أن يطلب منه أن يمسك بيد أحد برفق
أنا يا سادة : مجرد كتاب مغلق
لا يمكنكم الحكم على محتواه من غلافه الذي مزقته الأيام
وليس لكم أن تسألوني لماذا بعض صفحاتي ممزقة فربما تلك الصفحات تحكي قصصاً لا يتحمل سماعها جبار
دعني ووجعي
دعني وطريقتي العرجاء في الحب
وخوفي الدائم من الفراق
وبكائي على أشياء لا ترونها
فأنتم لم تعيشوا دقيقة واحدة في جسدي الذي تعلم أن الاحتضان خطر وأن الأمان وهم وأن الغد … مجرد شائعة
آخر سطر في خاطرتي ليس مت بل مع ذلك ما زلت أتنفس
وهذا وحده … انتصاري الذي لم يره أحد






