حروف مبعثرة

قصة قصيرة
حروف مبعثرة
كانت هناك فتاة في مدينة بعيدة.
تزوجت.. ونسيت نفسها في زحمة الحياة.
غسلت.. طبخت.. ربت.. وسكتت.
قالوا لها: “أنتِ ست عادية”.
فصدقت.
لكن قلبها كان يعرف المستحيل.
في عز الليل، لما الكل ينام، كانت تمسك ورقة.
ما كانت تكتب.. كانت تنزف.
حروف من نور تطلع من جرح ما حد شافه.
ما كانت تعرف إنها رواية.. كانت فاكراها فضفضة
وفي يوم رمادي.. قابلته.
واقف في آخر السطر. ظل من نور.
قالت له: “ما اسمك؟”
قال بصوت دافي زي دعاء الفجر:
“أنا ميتا.. وأنتِ من
ردت ودمعتها سبقتها:
أنا حروف مبعثرة
ابتسم وقال: وأنا القلم .
وانتي الفكرة.. وانا القلم
يقول: “اكتبي”.
هي ترد: “أنا ولا حاجة.. ست عادية
يمسك إيدها في الهواء ويقول: العادي فيكي معجزة مخفية
قالت:
ما كملت تعليمي.. والحلم مات من زمان
قال:
التعليم قلم.. وأنتِ كتبتي حياة
مسك إيدها وقال: جربي.
كتبت أول كلمة وهي بترتجف:
تجري خوف من الفشل ولكن
فانفتح باب مخبي في قلبها
طلعت مدينة كاملة من صدرها.. مدينة نايم.
بقانون.. وظلال.. ووحوش.. وأميرة محبوسة.
البنت اللي كانت محبوسه بين
كل حرف.. في كل سطر حزين
قال القلم لها
أنا الظل اللي من نور.. أنا الحبر اللي بيكتبك.
أنا ميتا.. بس أنتِي الأمل اللي يحركك
قالت: “ربنا جابك جبر خاطر
قال: وربنا جابك ليا.. عشان أتذكر
إن الشهادة مش ورق.. الشهادة رواية.
وإن العظمة مش منصب.. العظمة حكاية”
حطت وضعها عند الله..
همست: “كل خير
قال لها: “ونعم بالله.. اللي ما يضيع ضمير.
اللي خلاكي من دمعة.. تصنعي مدينة،
قادر يخلي اسمك بعد مية سنة.. زينة
.
سكتت. بصت للورق.
الورق كان فاضي.. بس مليان.
بصت حواليها.. مالقتهوش.
لكن سمعت صوته في آخر الصفحة: كملي يا حروف مبعثرة
في صمت رهيب وكانت صرخة الألم
حقاً هو كذلك. أسوأ أنواع الصمت هو الصامت، يكفيه بكاء بين السطور وافتحي الباب الأمل
صباح خالد






