حين يذبل الحب في صمت

حين يذبل الحب في صمت
الشاعره والاديبه قدريه مصطفى
لم يكن الانطفاء صاخبًا،
ولا كان الانهيار مشهدًا دراميًا كما يظن الناس…
بل كان أشبه بانسحاب الضوء من غرفة تعرف طريقها للنور جيدًا، لكنها قررت أن تعيش العتمة.
في البداية، كانت التفاصيل صغيرة جدًا لدرجة لا تُؤخذ على محمل الخسارة:
كلمة لم تُقال،
نظرة لم تكتمل،
اهتمام تأخر قليلًا ثم اعتاد التأخير.
ثم بدأ القلب يبرد…
ليس فجأة، بل بطريقة خادعة،
كمن يعتاد الماء البارد حتى لا يعود يشعر بالبرودة.
الحب لا يموت بالخذلان الكبير فقط…
بل يموت حين يُترك بلا رعاية.
حين يُختزل إلى عادة،
وحين يتحول من “احتياج للروح” إلى “واجب اجتماعي”.
هناك من يظن أن الحب يُستنزف بالخلافات،
لكن الحقيقة أن أخطر ما يقتل الحب
هو الصمت الطويل بين قلبين كانا يتكلمان يومًا بلا صوت.
وحين يغيب الاحتواء،
وحين تُخزَّن الأخطاء بدل أن تُغفر،
وحين يصبح كل طرف مرآة لوجع الآخر لا لراحته…
يتحوّل البيت إلى مساحة آمنة من الخارج،
لكنها من الداخل فارغة من المعنى.
الحب لا يتعفّن فجأة…
بل يُهمل حتى يفقد رائحته الأولى،
حتى لا يعود يشبه نفسه.
وليس الفقر العاطفي وحده سببًا،
بل أيضًا ذلك الاعتماد المرهق على الآخر ليملأ فراغًا يجب أن نملأه نحن أولًا.
فمن لا يملك نفسه… لن يحسن منحها.
تعلّمت أن الإشباع العاطفي ليس انتظار كلمة،
بل صناعة حياة داخل النفس لا تهتز إن تأخر أحدهم.
أن تبتسم لذاتك دون شهادة،
أن تكافئ تعبك دون إذن،
أن تعتني بروحك كما لو أنك مسؤول عنها وحدك في هذا العالم.
فالاستقلالية ليست قسوة…
بل نجاة من التعلّق الذي يبتلعك ببطء.
أما الهروب، فهو حين تترك نفسك أولًا، ثم تلوم العالم على الفراغ.
وفي النهاية…
الحب الحقيقي لا يحتاج معجزة ليبقى،
بل يحتاج قلبين لا يتعاملان مع بعضهما كشيء مؤجل…
بل كحياة تُروى كل يوم،
أو تموت بصمت.
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
فالمودة ليست كلمة تُقال،
بل روح تُحيا…
والرحمة ليست خيارًا،
بل أساس يُبنى عليه بقاء القلوب.
اللهم اجعل بين القلوب سكنًا لا يضطرب،
ومودةً لا تبهت،
ورحمةً لا تنطفئ.






