أخر الأخبار

” قطع شرياني ومضى “كلمات الأديب طارق غريب

” قطع شرياني ومضى ”

‘ مهجة ‘ تنزف على الورق كما لو أن القلم هو المبضع

والمسرح هو غرفة الإنعاش

أغمض عينيك . المسرح أظلم للتو . لم يعد هناك غيرها

( فراغ ليس أبيض ولا أسود

هو لون الذاكرة حين تُستَل من تحت الرماد

في العمق الأيسر ، كرسي وحيد مصنوع

من الخشب العتيق تبدو مساميره الظاهرة

وكأنها تحاول الهرب من جسده

على الكرسي وشاح حريري بلون الرمان النازف

همهمات لصوت الضمير وهو يحاسب نفسه )

( عندما يرتفع الستار ، تكون مهجة

واقفة في منتصف المسرح تماماً

ترتدي ثوباً بسيطاً رمادياً طويلاً ، حافية القدمين

شعرها الأسود الفاحم منسدل على كتفيها

كأنه ستار آخر يخفي خلفه مسرحاً آخر

عيناها مفتوحتان على اتساعهما

لكنهما لا تنظران إلى الجمهور

بل تنظران إلى ما خلف الجمهور

إلى ما خلف الجدران ، إلى ما خلف الزمن )

مهجة :

(صوتها هادئ ، لكنه هدوء البحر قبل العاصفة

ذلك الهدوء الذي لو ملكتم عقلاً لعرفتم

أنه أخطر من كل صراخ العالم )

لم أكن أعرف أن للشرايين أسماء

كنت أظنها مجرد أنابيب صماء تنقل الدم

من القلب إلى الأعضاء ثم تعود به إليه

في رحلة مملة لا روح فيها ولا أسرار

لكنني اكتشفت متأخرة جداً أن لكل شريان اسماً

فهذا اسمه ‘ الانتظار ‘ ، وهذا اسمه ‘ الرجاء ‘

وهذا الرفيع الذي يمر من تحت الترقوة مباشرة

كان اسمه ‘ أنت ‘

( ترفع يدها اليمنى ببطء شديد

وكأنها تحمل شيئاً ثقيلاً

وتلمس الجانب الأيسر من رقبتها )

هنا ، هنا بالضبط

تحت أناملي ، كنت أشعر بك في كل مرة

لا كدم يجري ، بل كقصيدة لم تكتمل بعد

تتحرك بحروفها الفوضوية داخل لحمي

كنت تطرق جدرانه كعاشق يستأذن

وكان هو يأذن لك دون أن يستشيرني

كل نبضة كانت تنادي اسمك

كل نبضة كانت خيانة لي

( تسحب يدها فجأة وكأن شيئاً لدغها )

ثم جئتني في ليلة الأربعاء ، لا ، في فجر الخميس

حين يختلط الليل بالنهار اختلاط الماء بالخمر

فلا تعرف أين ينتهي الظل وأين يبدأ الضوء

جئتني وفي يدك مشرط الكلمات

( تضحك ضحكة قصيرة ، فيها مرارة

كل الغجر اللواتي صدقن العرافات )

قلت لي : ‘ يا مهجة ، اسمك وحده يكفي ‘

وآمنت بك

المأساة ليست أنني آمنت بك ، فالإيمان اختيار الحرائر

المأساة أنني آمنت أن اسمي كاف

نسيت أن الرجال ، كل الرجال ، يريدون ما وراء الاسم

يريدون اللحم . يريدون الدم

يريدون الشريان نفسه لا ما يجري فيه

( تمشي خطوتين نحو اليسار ، تتوقف )

ثم أخرجته

لا ، لا تسألوني كيف

فأنا نفسي لا أعرف كيف استطاع

إخراج مشرط كهذا من بين حروف اللغة

كان مشرطاً من نوع آخر

مشرطاً مصنوعاً من وعود مؤجلة

ونظرات مطولة ، وصمت بعد السؤال

و’ أحبك ‘ قيلت في الوقت الخطأ

و’ سأعود ‘ قيلت في الوقت الأصح

وبدأت العملية ، كان دقيقاً

دقة الجراح الذي يمارس المهنة منذ ألف عام

حدد مكان الشريان دون أن يلمسني

عرف أين يسكن تماماً ، ثم قطع

قطع شرياني ببطء ، بمتعة

بحرفية لا يملكها إلا من أحبهم الله وأسكنهم الجنة

أو من لعنهم الشيطان وأسكنهم النار

وهو كان المزيج النادر بين الاثنين

( ترفع يدها إلى عينيها وتغطيهما لحظة ، ثم تسحبهما بقوة )

والمفارقة ، المفارقة التي لا تحتملها الفلسفة

ولا يتحملها المسرح ولا تطيقها روح إنسان.

أنني حين رأيت الدم يخرج مني ، لم أصرخ

لم أصرخ ، بل ابتسمت

( تبتسم ابتسامة باهتة ، شاردة )

لأن الدم لم يكن أحمر ، كان أسود

بلون حبر المخطوطات القديمة

بلون عينيه حين كان يقول لي ‘ لا تخافي ‘

بلون هذا الوشاح الذي تركه على الكرسي هدية أخيرة

(تنظر نحو الوشاح)

كنت أظن أن الروح تسكن في مكان واحد

في القلب قالوا ، في العقل قال آخرون

في الكبد قال الأقدمون

كلهم أخطأوا

الروح يا سادتي ، الروح سائلة

تجري في الشريان

فإذا قطع الشريان ، لم يخرج الدم وحده

خرجت الروح قطرة قطرة ، حرفاً حرفاً ، قصيدة قصيدة

حتى لم يبق مني إلا هذا الجسد الذي لا يشبهني

يقف أمامكم الآن كما يقف التمثال

في ساحة خالية بعدما رحل كل من كان يحبه

(تتجه نحو الكرسي بخطوات وئيدة

تمسك الوشاح تضمه إلى صدرها )

وذهب . قطع شرياني ومضى .لم يلتفت .

لم ير كيف سقطت على ركبتي

لم يسمع صوت اصطدام الأمل بالأرض

لم يشهد كيف تحولت ‘ مهجة ‘ إلى اسم بلا روح

إلى كلمة في قاموس مهجور

إلى بيت شعر ضاع منه صدره

فبقي عجزه معلقاً في الهواء لا قافية له ولا معنى

(تجلس على الكرسي ببطء .

تضع الوشاح في حجرها. تنظر إليه طويلاً)

والآن ، ما تبقى مني؟

بقايا امرأة تجلس على كرسي خشب في مسرح فارغ

وبقايا دم أسود في شريان لم يعد ينبض

وبقايا قصيدة لم تكتب بعد

( ترفع رأسها فجأة . عيناها تلمعان بدموع لم تنزل بعد )

لكنني ، لكنني يا سادتي

لن أموت

إن من قطع شريانه لا يموت كباقي البشر

إنه يتحول ، يتحول إلى شيء آخر

إلى ذكرى لا تمحى

إلى طيف يزور القاتل في منامه كل ليلة

إلى سؤال يطارده في كل امرأة يلقاها بعدي :

‘ هل أنتِ مهجة أخرى سأقطع شريانها؟ ‘

(تقف فجأة. الوشاح يسقط من حجرها على الأرض. لا تلتقطه)

أنا الآن حرة

حرة لأنني لم أعد أخاف القطع

من قُطع شريانه مرة ، صار محصناً ضد كل مشارط العالم

صار بإمكانه أن يحب دون أن يخاف

أن يثق دون أن يتردد

أن يعيش دون أن يحسب حساب الجراحين القادمين

( تمشي نحو مقدمة المسرح. تقف على حافته تماماً )

أترون هذا؟ هذا أنا

هذه مهجة بعدما قطعوا شريانها

أقف على حافة المسرح ، حافة العالم ، حافة المعنى

لا أنزف ، لا أبكي ، ولا أندب حظي

بل أنظر إليكم نظرة من عرفت السر

( تخفض صوتها حتى يكاد يكون همساً )

السر يا سادتي

أن الشريان ليس في الجسد ، الشريان في اللغة

وقطعه لا يكون بمشرط ، بل بكلمة

كلمة واحدة ، ‘ سأرحل ‘

وقطعه لا يقتل صاحبه ، بل يوقظه

يوقظه من سبات العشاق ، إلى يقظة الشعراء

من غيبوبة المحبين ، إلى صحوة العارفين

من موت الواهمين ، إلى حياة الحكماء

( ترفع صوتها فجأة ، قوياً ، واضحاً

كأنه صوت من بُعث من قبره )

قطع شرياني ومضى؟!

فليمضِ! ، ليمضِ إلى حيث شاء!

فأنا

أنا مهجة التي لا يشبهها أحد

أنا التي نزفت حبراً لا دماً

أنا التي حولت الجرح إلى قصيدة ، والخيانة إلى فلسفة

والرحيل إلى مونودراما تقفون تشهدونها الليلة

أنا التي سأعيش بعده أكثر مما عشت معه

أنا التي سأكتب عنه أكثر مما كتب هو عني

أنا التي سأحوله من ‘ هو ‘ إلى ‘ كان ‘

و’ كان ‘ يا سادتي ، هي أكثر الكلمات انتقاماً في اللغة العربية

(تلتفت إلى الخلف . تنظر إلى الوشاح الملقى على الأرض

تبتسم ابتسامة هادئة ، حقيقية هذه المرة )

أما الوشاح ، فليبق هناك

تذكاراً لا لحبه ، بل للحظة التي توقفت فيها عن انتظاره

للحظة التي أدركت فيها أن الشريان الحقيقي لا يُقطع

أنه كلما قطعوه ، نبت من جديد

بشريان أقوى ونبض أعمق

وروح لا تخضع لمشرط أحد

(تتجه نحو الكرسي . تلتقط الوشاح ببطء

تطويه بعناية شديدة ، تضعه على الكرس

ثم تلتفت نحو الجمهور للمرة الأخيرة )

هذا هو المسرح وهذه هي الحقيقة

وهذا هو الفرق بين من يقطع ومن يُقطع.

من يقطع ، يمضي وينسى

أما من يُقطع ، فإنه يبقى

يبقى في الكلمة ويبقى في الذاكرة

يبقى في كل امرأة أحبت ثم خذلت

ثم قامت ثم كتبت ثم وقفت على خشبة المسرح

وقالت لكم : قطع شرياني ومضى ، ولكنني أنا هنا

(تسكت لحظة . تنظر إلى أعلى ، إلى النور . تبتسم )

أنا هنا

(يعتم المسرح ببطء شديد

لا يُسمع سوى صوت نبض خافتثم يرتفع النبض تدريجياً

حتى يصبح كأنه موسيقى خلفية

ثم يخفت فجأة مع آخر خيط من النور )

(صمت)

الستار

طارق غريب – مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى