أخر الأخبار

دنيا إبراهيم تكتب قصة قصيرة بعنوان الأم المنكوبة

“قصة واقعية”

{الأم المنكوبة}

بين أحلام الفتاة الهادئة وواقع الأم الصابرة، تمضي هيام في رحلة لم تخترها، لكنها واجهتها بقلبٍ مؤمن. هي حكاية تضحية بدأت ببيتٍ دافئ، وتحولت إلى معركة شرسة لحماية ابنتها التي غدر بها الزمان والبشر. إليكم قصة هيام:

كانت هيام فتاة جميلة، هادئة، وحنونة، طموحة تحلم بحياة هادئة. تخرجت من إحدى الجامعات المصرية وكانت تنظر للحياة بأنها سوف تحقق كل ما تحلم به، وأن يكون مستقبلها مشرقاً في حياتها العملية.

في يوم من الأيام، دق باب البيت، ورأت هيام أمها ترحب بزائرة أتت إليهم لطلب يد هيام لابنها محمد. كان شاباً طيباً ذو خلق، يعمل سائق تاكسي، وكان وحيد أمه وأبيه. وافقت هيام وهي تنتظر الحياة الجميلة التي حلمت بها، وكانت سعيدة في أول أيام الزواج.

ولم تكن هيام زوجة فقط، بل كانت ابنة بارة؛ فقد كانت تخدم حماتها بكل حب ورضا نفس، وتعتني بها بصدق، وظلت ترعاها حتى توفاها الله وهي راضية عنها تمام الرضا.

كانت هيام سعيدة بخبر حملها الأول هي وزوجها وأهلها، ومرت فترة الحمل على خير وأنجبت أول مولود لها، وكان طفلاً جميلاً هادئ الطباع. وبعد مرور سنتين أو ثلاث، حملت هيام مرة أخرى وأنجبت طفلة جميلة كانت سعيدة بها جداً.

ولكن بعد مرور وقت قليل، لم تستمر هذه الفرحة؛ إذ انقلب الوضع رأساً على عقب حين أدركت هيام التغيرات التي طرأت على أولادها؛ فالولد في سن الثلاث سنوات ظهرت عليه أعراض تشبه أعراض سمات التوحد، والبنت الجميلة تفاجأت الأم بأن عندها شراهة في الأكل لا تعرف لها سبباً. بدأت هيام بزيارة الأطباء لتكتشف بعد التحاليل أن هناك خللاً في الجينات، برغم أنها وزوجها ليسا أقارب، لكن هناك جينات عند الأب والأم إذا لم تعالج ينجبان أطفالاً غير أسوياء.

بدأت هيام طريق العلاج، ونصحها الأطباء بجلسات التخاطب وتعديل السلوك. كان “خالد” لديه استجابة للعلاج حتى أصبح يعتمد على نفسه برغم عناده في بعض الأحيان، أما “خلود” فكانت عصبية متمردة، لا تكتفي بوجبة أو اثنتين أو ثلاث، بل تأكل بدون شبع، وإذا رأت أكلاً مع أخيها أو زملائها في المدرسة تأخذه منهم.

ومرت السنين، وتوجهت هيام لطبيب متخصص في الجينات، والحمد لله أنجبت ولداً وبنتاً أصحاء ليكونوا سنداً لإخوتهم. أما خلود، فقد أصبحت فتاة جميلة لكن وزنها زاد حتى وصل مئة كيلو وهي في سن الخامسة عشرة بسبب هذا المرض المسمى “متلازمة الجوع”، حيث لا يشعر صاحبه بأي شبع. قرر الأطباء إجراء عملية تكميم وتحويل مسار لها لأن حالتها ليس لها علاج آخر.

وفي سن السادسة عشرة، قررت الأم بتوجيه من الأطباء أن تعتمد خلود على نفسها، فكانت تذهب لإحضار الخبز من الفرن. وفي أحد الأيام، استغل رجل مسن فوق الستين مرضها وبراءتها، واستدرجها بالعصير والكيك ليتحرش بها. ولولا تدخل الناس في الفرن الذين انقضوا عليه وأنقذوها، لكان الأمر أسوأ. تقدمت هيام بشكوى، وتم القبض عليه، لكنه خرج لعدم ثبوت التحرش قانوناً ولثغرات استغلها المحامون، رغم شهادة من أنقذوها.

وتبقى القضية في القضاء، وما ذنب هذه الطفلة أن تعيش في رعب، وتنهار الأسرة بسبب هذا “الكلب”؟! حق خلود لازم يرجع.

 

حق خلود لازم يرجع،

طفلة بريئة، جميلة… لكن مريضة.

ضحك عليها الشايب، وقال:

“مش هيبان… دي مريضة ومش بتفهم الكلام،

ولو اتكلمت، هدبحك!

يلا اسكتي، واسمعي كلامي،

أنا بحبك، وأنا زي جدك، دا أنا طيب.

شوفي ليكي إيه معايا…

دي شيكولاتة ودي مصاصة.”

قال: “دي مريضة ومش هتفهم الكلام.”

يجي الجاني،

قال: “ده كبير ووقور.”

لكنّه حنش مسموم،

يزحف بهدوء لفريسته،

ويضحك عليها بكلام معسول.

يرجع الشايب من جديد،

اللي حقه عايب،

يضحك على الطفلة البريئة

بعين وقحة، وكلام كاذب.

فاكرين “ياسين”…؟

واللي حصل له؟

اتكررت القصة تاني، يا ولاد…!

خلود مش لعبة،

خلود مش وصمة…

خلود حقها أكيد راجع.

قولي يا قاضي،

إيه العقاب؟

بعد ما حكت كل الحاجات وطلّعته من وسط الكلاب.

تنتهي الحكاية هنا في الأوراق، لكنها لا تنتهي في قلب أمٍّ محترق. قضية خلود هي صرخة لضمير المجتمع والقانون، لئلا يهرب جاني خلف وقارٍ زائف أو ثغرة قانونية. قد تُغلق المحاضر، لكن عدالة السماء لا تنام.. ويظل اليقين قائماً: حق خلود لازم يرجع.

“بين أيديكم حكاية واقعية جسدت أسمى معاني الصبر وأقسى لحظات الوجع.. قصة هيام وخلود.”

 

بقلمي/ دنيا إبراهيم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى