العنف الهادئ الكلمات التي تترك ندوبا لا ترى

مقال اجتماعى

IMG 20260512 WA0130العنف الهادئ: الكلمات التي تترك ندوبًا لا تُرى

بقلم / د.هبة الله ادريس

ليس كل عنفٍ يُمارَس بالأيدي، فبعضه يُقال همسًا، ويُغرس في الروح ببطء حتى يترك أثرًا أعمق من الجراح الظاهرة. هناك كلمات لا تُحدث صوتًا عند سقوطها، لكنها تهدم شيئًا كاملًا داخل الإنسان. كلمات تُقال في لحظة غضب، أو على سبيل المزاح، أو حتى تحت غطاء “النصيحة”، لكنها تبقى عالقة في الذاكرة سنوات طويلة.

العنف الهادئ هو ذلك النوع الخفي من الإيذاء الذي لا يراه الناس بسهولة، لأنه لا يترك كدمات على الجسد، بل يترك ندوبًا داخل النفس. يبدأ أحيانًا بجملة صغيرة: “أنت لا تفهم شيئًا”، “لن تنجح”، “أنت عبء”، ثم يتحول مع الوقت إلى صوت داخلي يطارد الإنسان كلما حاول أن يثق بنفسه أو يبدأ من جديد.

الكلمة القاسية لا تنتهي بانتهاء الموقف، بل قد تعيش داخل صاحبها طويلًا. قد يكبر الطفل وهو يحمل داخله خوفًا دائمًا من الفشل بسبب كلمات استهانت بقدراته، وقد تعيش امرأة سنوات وهي تشك في قيمتها لأن أحدهم اعتاد التقليل منها، وقد يفقد رجل ثقته بنفسه لأن السخرية كانت اللغة الوحيدة التي يسمعها كلما حاول التعبير عن ضعفه أو احتياجه.

المؤلم في هذا النوع من العنف أنه غالبًا يُبرَّر. فالبعض يظن أن القسوة تُربي، وأن الإهانة تُقوّي الشخصية، وأن التقليل من المشاعر نوع من الواقعية. بينما الحقيقة أن الإنسان لا يشفى من الكلمات بسهولة، لأن ما يُقال له باستمرار يتحول مع الوقت إلى الصورة التي يراها عن نفسه.

وفي مجتمعاتنا الشرقية تحديدًا، اعتاد كثيرون على التقليل من أثر الكلام، فنسمع عبارات مثل: “مجرد كلام”، أو “لا تكن حساسًا”، مع أن أكثر المعارك قسوة قد تدور داخل النفس بسبب كلمة واحدة لم تُنسَ. فالكلمات قادرة على أن تزرع الطمأنينة، وقادرة أيضًا على أن تزرع الخوف والشك والانكسار.

إن أخطر ما في العنف الهادئ أنه يحدث غالبًا داخل العلاقات الأقرب؛ داخل البيت، بين الأزواج، أو بين الآباء والأبناء، أو حتى بين الأصدقاء. وكلما جاء الأذى ممن نحب، كان أثره أعمق، لأن الإنسان لا يتوقع القسوة ممن يشعر معهم بالأمان.

ولعل أكثر ما يحتاجه الناس اليوم ليس المزيد من الأحكام، بل المزيد من الرحمة في الحديث. فالكلمة الطيبة لا تُكلّف شيئًا، لكنها قد تنقذ إنسانًا من حزن طويل، كما أن كلمة قاسية قد تهدم جزءًا كاملًا من روحه دون أن نشعر.

لهذا، قبل أن نقول أي شيء، علينا أن نتذكر أن بعض الكلمات لا تُنسى أبدًا، وأن الندوب التي لا تُرى قد تكون الأكثر ألمًا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى