النهاية مع شخص ليس أهلا للحب

مقال اجتماعى

النهاية مع شخص ليس أهلًا للحب

بقلم د/ نادية حسن عبد الفتاح

في حياة كل إنسان لحظة يكتشف فيها أن بعض القلوب لا تُشبه الكلمات التي كانت تقولها، وأن بعض الوعود كانت مجرد حديث مؤقت ينتهي مع أول اختبار حقيقي للمشاعر.
فالحب في بدايته دائمًا يبدو جميلًا، مليئًا بالاهتمام والوعود والأحلام المشتركة، لكن الحقيقة لا تظهر إلا مع الوقت، حين تصبح العلاقة مسؤولية، ويصبح الاحتواء أهم من الكلام، وتصبح الأفعال هي اللغة الوحيدة القادرة على إثبات صدق المشاعر.
كثيرون يدخلون العلاقات بدافع الاحتياج، لا بدافع الحب الحقيقي.
يبحثون عن الاهتمام، وعن وجود شخص يمنحهم الشعور بالأهمية، وعن قلب يحتويهم وقت الوحدة، لكنهم لا يملكون القدرة على رد هذا الحب بنفس الصدق.
ولهذا، نجد أن بعض الأشخاص يجيدون البدايات فقط، أما الاستمرار، وتحمل المسؤولية، والصبر وقت الخلاف، فهي أمور لا يستطيعها إلا من كان قلبه صادقًا بالفعل.
ومن أصعب الأمور التي قد يعيشها الإنسان أن يمنح شخصًا كل ما لديه من حب وثقة واهتمام، ثم يكتشف في النهاية أنه كان يقاتل وحده.
يحاول إصلاح ما يُكسر، ويتحمل البرود، ويتغاضى عن الأخطاء، ويتمسك بالعلاقة خوفًا من النهاية، بينما الطرف الآخر كان يبتعد تدريجيًا، دون حتى أن يشعر بحجم الألم الذي يتركه خلفه.
الخذلان لا يأتي دائمًا في صورة خيانة واضحة، بل أحيانًا يأتي في هيئة تجاهل، أو تغير مفاجئ، أو قسوة بعد اهتمام، أو صمت طويل بعد وعود كثيرة.
فالإنسان لا ينكسر فقط عندما يُترك، بل ينكسر حين يشعر أن مكانته أصبحت عادية عند الشخص الذي كان يراه كل شيء.
والمؤلم أكثر أن بعض الناس يرحلون وكأن شيئًا لم يكن.
لا يقدّرون حجم الذكريات، ولا قيمة الأيام التي عاشوها، ولا كمية المشاعر التي أخذوها من قلوب كانت تحبهم بصدق.
يرحلون ببساطة، تاركين الطرف الآخر يحمل وحده عبء الذكريات والأسئلة والوجع، وكأن الحب كان مرحلة مؤقتة بالنسبة لهم، وليس حياة كاملة بُنيت على الأمل والثقة.
لكن الحقيقة التي يدركها الإنسان بعد فترة أن المشكلة لم تكن فيه أبدًا.
فالشخص الذي يحب بصدق لا يندم على صدقه، حتى وإن تلقى الخذلان.
لأن الخطأ الحقيقي ليس في القلب الذي أحب بإخلاص، بل في القلب الذي لم يعرف قيمة هذا الحب.
وهناك فرق كبير بين شخص يحبك، وشخص يحب فكرة وجودك فقط.
الأول يتمسك بك وقت الخلاف قبل الفرح، ويخاف على مشاعرك، ويحاول إصلاح الأمور مهما حدث، أما الآخر فوجوده مؤقت، مرتبط بمزاجه ورغبته، يقترب حين يريد، ويبتعد حين يمل، دون أن يفكر في أثر ذلك على الطرف الذي كان يراه أمانًا وحياة كاملة.
وفي كثير من الأحيان، تكون النهاية مع شخص ليس أهلًا للحب مؤلمة، لكنها ضرورية.
لأن الاستمرار مع قلب لا يعرف التقدير يستنزف الإنسان نفسيًا، ويجعله يفقد ثقته بنفسه وبمشاعره.
فالعلاقات لا تُبنى على طرف واحد، ولا تستمر بتضحية من شخص، وتجاهل من الآخر.
ورغم قسوة النهايات، إلا أنها تكشف لنا حقائق كثيرة.
تعلمنا ألّا نعطي كل شيء دفعة واحدة، وألّا نتمسك بمن يختار الرحيل، وألّا نقلل أبدًا من قيمة أنفسنا من أجل البقاء في حياة شخص لا يعرف معنى الاحتواء.
كما تعلمنا أن الحب الحقيقي لا يجعل الإنسان يعيش في خوف دائم، ولا يجعله يتساءل كل يوم إن كان مرغوبًا أم لا.
ومع الوقت، يهدأ الألم، وتصبح الذكريات مجرد مرحلة مرّت، بكل ما فيها من وجع ودروس.
ويفهم الإنسان أن بعض النهايات لم تكن خسارة، بل كانت حماية له من عمر كامل كان سيقضيه مع شخص لا يقدّر قلبه.
وفي النهاية، سيظل الحب الحقيقي شيئًا نادرًا وثمينًا، لا يستحقه إلا من يعرف قيمة المشاعر ويحافظ عليها.
أما الذين يبيعون بسهولة، ويخذلون دون رحمة، فربما يربحون الرحيل مؤقتًا، لكنهم يخسرون إلى الأبد شخصًا كان يحبهم بصدق لا يتكرر كثيرًا في هذا العالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى