توكة شَعري قصة قصيرة بقلم الأديب طارق غريب

” توكة شَعري ”
( المسرح ليس مسرحاً. المسرح هو جرح في جدار الزمن
لا خشبة ، لا كرسي ، لا ضوء محدد
ضوء واحد باهت من لا شيء
يسقط على امرأة واحدة ‘ نهى ‘
هي في أواخر الثلاثينات ، لكن عمرها ليس عمرها
هي واقفة في البدء ، ثم تجلس على الأرض
ثم لا فرق المكان لا يتذكر شكله
هي تجلس على كرسي غير موجود
هي تقف على أرض لا ظل لها
ليس لأنه ممنوع. بل لأن الظل خيانة
نهى وحدها شعرها طويل
منكسر على كتفيها كليل تعب من السهر
في يدها ‘ توكة شعر ‘ سوداء ، بسيطة ، رخيصة
كأنها انتشلت من حريق
تمسكها كما لو أنها الشيء الوحيد الذي لم يمت بعد )
نهى :
(صمت طويل. الصمت هنا هو النص الحقيقي
كل الكلام مجرد فاصلة )
غريب
كيف لشيء صغير إلى هذا الحد ، أن يحمل عمراً كاملاً
مجرد دائرة سوداء رخيصة . مطاط مغطى بقماش مهترئ
لا تلمع. لا تُباع داخل علب فاخرة . لا تثير انتباه أحد
ومع ذلك ، أشعر أحياناً أنها تعرفني أكثر مما عرفني البشر
هذه ليست ‘ توكة شعر ‘ ، هذه أرشيف امرأة
فيها سنوات كاملة من التعب
فيها روائح البيوت التي عشت فيها
فيها أصابع أمي وهي تجمع شعري بعجلة قبل المدرسة
فيها ارتباكي الأول أمام الحب
فيها الليالي التي ربطتُ فيها شعري بقوة
كي لا يراه أحد وهو يرتجف
حتى الحزن ، كان له شكل مختلف حين يمر عبر الشعر
الحزن لا يسكن القلب فقط
أحياناً يسكن الأطراف . أطراف الشعر مثلاً
لهذا تقص النساء شعورهن بعد الكوارث
ليس رغبة في التغيير كما يظن الناس
بل لأن شيئاً فيهن يريد التخلص من الذاكرة
وهي تنمو من الرأس
( تنظر إلى التوكة كأنها وجه ، كأنها مرآة لكنها ليست مرآة
لأنها لم تعد تحتاج مرآة لترى نفسها
هي ترى نفسها في الفراغ ، والفراغ لا يكذب )

نهى :
في اليوم الذي رحل فيه ، لا ، لا أريد أن أقول ‘ رحل ‘
كلمة مخادعة . كأنه سافر . كأنه في محطة أخرى
لا ، في اليوم الذي توقف فيه عن أن يكون هنا ، وقفت
وقفت أمام المرآة. نعم ، كانت هناك مرآة حينها
كان هناك أثاث وجدران وسقف ومستقبل
نظرت إلى المرآة. رأيت وجهي. كان وجهي
أتعلمين ماذا فعلت؟
لا ، أنا لا أسألك. أنت لست هنا. أنا أتحدث إلى نفسي
هذا ما تفعله الوحيدة في النهاية , تصبح هي وهي
المهم. نظرت. ثم أخرجت التوكة هذه من شعري
وسقط شعري , لا ، لم يسقط. انهار كأنه كان ينتظر إشارة انهار
على كتفي ، على ظهري ، على وجهي
اختبأت خلف شعري , والشعر ليس جداراً
الشعر باب. ولكن مفتاحه ليس في هذه الدنيا
( تمشي خطوة . ثم تتوقف
كأن الأرض تتحرك تحتها وليست ثابتة )
كل صباح ، أقف هنا. أقف في لا مكان
وهذا كل ما تبقى مني
لا ، ليس صحيحاً. هذا أول كذب
ما تبقى مني هو هذا الخيط. لا ، ليس خيطاً
شعرة. شعرة واحدة. في مكان ما من رأسي،
هناك شعرة لا تزال تتذكر يديه
لا تعرف كيف ، لا تعرف متى. لكنها تتذكر
كنت أمشط شعري كل مساء. خمسين مشطة. لا ، مئة
لماذا كنا نعد؟ لأنه كان الوقت الوحيد
الذي لا ننظر فيه إلى عيون بعضنا
ننظر إلى الشعيرات وهي تهرب من بين الأصابع
كنا نظن أننا نجمعها
كنا نظن أن الإمساك بشيء يعني امتلاكه.
( تضحك بلا صوت تقريباً
الضحكة تخرج من مكان أعمق من الحلق )
الغباء ليس في الحب
الغباء في أن نصدق أن الحب يحتاج إلى دليل
( تضع التوكة في شعرها ، ثم تخرجها فوراً
كأنها تختبر شيئاً. كأنها تقول : هل ما زلتِ تصلحين؟
هل ما زلتِ تؤلمين بالطريقة الصحيحة؟ )
حين كنت طفلة ، كان شعري طويلاً بصورة تزعج أمي
كانت تجلس خلفي كل صباح. تشده بعنف خفيف
تربطه سريعاً ، ثم تقول : ‘ انتهينا ‘
لكننا لا ننتهي أبداً
كل ما يحدث ، أننا نتعلم كيف نربط الفوضى جيداً
كبرت وصرت أفعل الشيء نفسه لنفسي
أجمع شعري. أربطه بإحكام. أبتلع ارتباكي
وأخرج للعالم كامرأة تبدو مستقرة
كم أن البشر سذج ، يظنون أن التماسك حقيقة
بينما هو غالباً طريقة مرتبة للانهيار
( تلف خصلة من شعرها على إصبعها. تشدها حتى تؤلمها
الألم الصغير يريحها. لأنه صادق )
الحب الفلسفي؟ لا يوجد شيء اسمه حب فلسفي
الحب هو أنك تريد أن تشرب من نفس كأس شخص آخر
لا تعلم ما يحتويه كأسه ولكنك تصر أن تشرب منه
لماذا؟ لأن العطش ليس فكرة ، العطش هو العطش
ذات مرة قال لي لا ، لا يمكن. لن أحكي ما قاله
ليس لأنه سري. ولكن لأن الكلمات إذا خرجت من هنا ستموت
الكلمات تعيش فقط في اللحظة التي تُقال فيها
بعدها تصبح جثثاً. وأنا تعبت من دفن الكلمات
(صمت طويل. تستطيع أن تسمع فيه خلق العالم
أو انهياره نفس الشيء في النهاية )
أتعرفون ما أكثر ما يرعبني؟
أن الإنسان يمكنه التعود على الألم
في البداية نظن أن الحزن استثناء. ثم يصبح عادة
ثم يتحول إلى جزء من طريقة جلوسنا
من نبرة أصواتنا. من شكل أعيننا حين نصمت
وأنا ، صار الحزن عندي شيئاً يومياً
إلى درجة أنني أحياناً أفتقده إن غاب
هذا مرعب. أن يصبح الخراب مألوفاً
( تنظر إلى التوكة. كأنها تسألها :
ألستِ أنتي أيضاً خراباً مألوفاً؟ )
لنفكر بطريقة مختلفة ، ما الخطأ في أن نكون وحدنا؟
الوحدة ليست غرفة فارغة
الوحدة هي أن تكون الغرفة ممتلئة بأشخاص لا يرونك
هذا أسوأ ألف مرة ، هنا ، على الأقل
أعرف أن الفراغ لا يكذب. الفراغ صادق
الفراغ يقول : ‘ أنا لا شيء ‘ والناس لا يقولون ذلك أبداً
الناس يقولون : ، أنا أحبك ، ويعنون ‘ أنا أحتاجك ‘
أو ‘ أنا أخاف من فراغي فاملأني ‘
( تلمس التوكة برفق ، كأنها تلمس جرحاً قديماً
ليس لتوجعه ، بل لتتأكد أنه لا يزال هناك )
هذه التوكة ، صنعتها بنفسي من غصن شجرة سقط أمام بيتنا
أي بيت؟ لا بيت. كنا نحلم ببيت
كنا نحلم بستار لشباك ، وموقد ، وصور على الحائط
حلمنا كثيراً. ربما هذا ما قتلنا. ليس الحب
الحلم بالحب. لأن الحب لا يُعاش في المستقبل
الحب هو الآن ، الآن ، هذه الثانية ، وهذه. والآن ماتت
هذه هي الحقيقة الوحيدة التي فهمتها :
الآن يموت في اللحظة التي تلمسه فيها
( تبدأ في المشي في دائرة بطيئة جداً
لا تدري أين تذهب. لكنها تعرف أنها ذاهبة
إلى أين؟ إلى نفس المكان , إلى لا مكان )
هذه التوكة شهدت كل شيء
شهدتني وأنا أركض متأخرة للحياة
شهدتني وأنا أخلعها بعصبية بعد شجار طويل مع نفسي
شهدتني وأنا أربط شعري أمام جنازة شخص كنت أحبه
شهدتني وأنا أضحك في حفلات لم أكن سعيدة فيها
شهدتني وأنا أتماسك في الأماكن العامة
كي لا يراني أحد أبكي
البشر لا يبكون دائماً في الأماكن المناسبة
نحن نؤجل انهياراتنا باحتراف مخيف
قد تبكي امرأة بسبب أغنية
بينما الحقيقة أن قلبها كان ينهار منذ عشر سنوات
( تجلس على الكرسي. أو على الأرض. أو على لا شيء
لا فرق. كلها أسطح مؤقتة )
أحياناً أشعر أن النساء يعشن أعمارهن
وهن يجمعن الأشياء المتساقطة منهن
شعر. أعصاب. أحلام. ثقة. أيام.
حتى الحب ، لا نحياه كاملاً
نقضي نصفه في الخوف من خسارته
والنصف الآخر في محاولة النجاة بعد خسارته
كم هو متعب أن يملك الإنسان قلباً
القلب ليس نعمة كما يقولون ، إنه عضو ساذج
يصدق كثيراً وينكسر كثيراً
ويستمر رغم كل شيء في البحث عن يد أخرى تطمئنه
كأنه لا يتعلم أبداً
( تشد شعرها إلى الخلف ببطء. كأنها تستعد لشيء
للموت؟ للحياة؟ نفس الشيء في النهاية )
في بعض الليالي ، أربط شعري بقوة شديدة
حتى أشعر بالألم. أحتاج ذلك الألم البسيط
لأنه واضح. مفهوم
بينما أوجاع الروح ، غامضة إلى درجة أنها تجعل الإنسان
يشعر بالعجز حتى عن شرح نفسه
كيف يمكن لامرأة أن تفسر التعب الذي لا سبب واضح له؟
ذلك الإرهاق الذي يأتي من العمر نفسه
من الخيبات الصغيرة المتراكمة
من الكلمات التي لم تقلها
من النسخ الكثيرة التي اضطرت أن تكونها كي ترضي الجميع
كل امرأة تملك مقبرة سرية داخلها
مقبرة مليئة بالشخصيات التي اضطرت لقتلها كي تستمر
(صمت. الصمت هنا ليس فراغاً
الصمت هنا هو الحشو الحقيقي بين فقرات الروح )
أحياناً أتساءل
متى يبدأ الإنسان بالاختفاء؟ ليس الموت. الاختفاء
أعتقد أنه يبدأ تدريجياً. حين يكف عن شرح نفسه
حين يضحك أقل. حين يصبح الصمت أسهل من الكلام
حين يشعر أن روحه بعيدة عنه
كمدينة قديمة لم يعد يعرف طريقها
وأنا ، أشعر أنني أختفي قليلاً كل سنة
لكن الغريب ، أن أحداً لا يلاحظ
لأن العالم لا ينتبه للأرواح
هو ينتبه فقط للأجساد وهي ما تزال تتحرك
(وتنزع توكة الشعر ببطء. كأنها تخلع جلدها
كأنها تقول : سأريكم ما تحتي. سأريكم العطب
سأريكم الجمال الحقيقي الذي لا يشتريه أحد )
ينسدل شعرها دفعة واحدة. هذا المشهد دائماً يربكني
لحظة سقوط الشعر ، كأن الرأس فجأة يعترف بتعبه
أحياناً أفكر أن النساء يشبهن شعورهن
كثر مما يشبهن وجوههن
كل خصلة تحمل نسخة مختلفة منا طفلة. مراهقة
امرأة عاشقة. امرأة مكسورة. امرأة نجت بالكاد
ولهذا ، حين يسقط الشعر من التوتر
لا نخاف من فقدان الجمال فقط
نخاف من فكرة أننا نتساقط من أنفسنا
( تضم توكة الشعر داخل يدها )
أتعرفون ما الحقيقة الأكثر قسوة؟
أن الإنسان يقضي حياته يحاول ترتيب فوضاه
بينما الفوضى هي حقيقته الوحيدة
كل ما نفعله ، مجرد ربط مؤقت للأشياء
قبل أن تتفكك من جديد
العلاقات. الأحلام. الأجساد. الوعود. حتى نحن
نحن أيضاً ، نتفكك ببطء ، لكننا نتقن التظاهر بالتماسك
وهذا كل ما يسمى نضجاً
(تنهض ببطء شديد ، كأنها تخرج من قبر
كأنها تولد من جديد. لكن الولادة الجديدة مؤلمة
أكثر من الأولى لأنك تعرف الآن كم ستتألم )
الآن ، لم يعد يخيفني العمر. ولا الوحدة
ولا حتى الخسارة. ما يخيفني حقاً
أن أستيقظ يوماً وأجد أنني لم أعد أشعر بشيء
أن يصبح قلبي مرتباً أكثر من اللازم. هادئاً أكثر من اللازم
بارداً بصورة تجعله غير قابل للألم ولا للحب
لأن الإنسان حين يتوقف عن الألم ، لا يكون قد شُفي
غالباً ، يكون قد انتهى
(ترفع توكة الشعر أمام عينيها. كأنها ترى العالم من خلالها )
هذه القطعة الصغيرة ليست للزينة
إنها الدائرة الأخيرة التي ما زالت تربط أجزائي ببعضها
وأخشى في يوم ما ، أن تنقطع
( تبدأ في ربط شعرها مرة أخرى. لكن يديها ترتجفان
لا من الخوف. من التعب. التعب الأصلي
التعب الذي لا يموت حتى بعد الموت )
أحياناً أتخيل أن شعري ليس شعراً. إنه جذور
جذور تمتد إلى الأسفل، إلى قلب الأرض
هناك ، في العمق نلتقي. ليس كعاشقين
كشيئين كانا شيئاً واحداً ثم انقسما بالخطأ
( تقف في منتصف الدائرة التي لا تبدأ ولا تنتهي )
أتذكر ليلة واحدة. لا ضوء إلا القمر
وكان شعري منسدلاً على وسادتنا
قال : ” شعرك يشبه الليل لكنه دافئ ”
سألته : ‘ وأنا؟ ماذا أشبه؟ ‘ ضحك. قال :
‘ أنتِ التي تبحثين عن توكة لتربطي بها الليل ‘
لم أفهم حينها. أفهم الآن
كنت أبحث دائماً عن شيء لأربط به الأشياء التي لا تُربط
( تخلع التوكة مرة أخرى. تنظر إليها
كأنها ترى نفسها للمرة الأولى
كأنها ترى كل النسوة اللواتي ماتت كي تصبح هي )
وهذه التوكة ، هي كل ما بقي من محاولاتي
قطعة خشب. غصن سقط. مثلي بالضبط
(تضع التوكة في جيبها. ثم ترفع يديها إلى شعرها
كأنها على وشك أن تفعل شيئاً عظيماً. أو غبياً. أو كلاهما )
سأفعل شيئاً الآن. سأقطع شعري كله. لا تخافي
أنا لا أخاف. الشعر سيء الذاكرة
إنه يحفظ فقط ما نفعله به ، وليس ما نشعر به
سأكون أقصر. سأكون أخف
ربما أستطيع أن أرى السماء دون أن يحجبها شيء
( تتوقف. يداها في شعرها. تتنفس بصعوبة. لكنها لا تبكي
هي تجاوزت البكاء منذ زمن. ليس لأنها أصبحت أقوى
بل لأنها أصبحت أكثر تعباً حتى من البكاء )
لكن ، لا. ليس اليوم
( تخرج التوكة مجدداً. تلبسها. كأنها ترتدي جلدها القديم
كأنها تقولو: ليس الآن. ليس بعد
أنا لست مستعدة لأن أكون خفيفة بعد
أريد أن أثقل. أريد أن أشعر بثقل كل شيء. حتى الثقل نفسه )
اليوم، سأتركها هنا. هذه التوكة
على شعري ، وكأن شيئاً لم يحدث
وكأنني ما زلت أنتظر عودته من نهاية العالم
( تغمض عينيها. الضوء يبدأ بالتلاشي ببطء شديد
كأنه يموت موتة جميلة
موتة تستحق أن يُكتب عنها شعر
فقط امرأة وشعرها وتوكة
فقط أنا وحكاية لا أحد يسمعها.
هذا هو الحب في أقصى حدوده
أن تصبح القصة بأكملها
دون أن يبقى أحد ليحكيها للنهاية
توكة شعري ، مفتاح باب لا يوجد
(لا شيء. ثم شيء يشبه التنفس
تنفس امرأة نامت أخيراً بعد ألف سنة من السهر )
لا ستار. لأن الستار يحتاج إلى مسرح
والمسرح كان مجرد جرح. والجرح التئم ، أو لم يلتئم
طارق غريب – مصر






