انا ودميتي قصة قصيرة بقلم الأديب طارق غريب

” انا ودميتي ”
( خشبة مسرح شبه عارية
ضوء أبيض باهت يتدلى من أعلى كأنه ذاكرة معلقة
في المنتصف كرسي خشبي قديم
وعلى الأرض دمية قماشية صغيرة بثوب أحمر باهت
امرأة في أواخر الثلاثينات تدخل ببطء
وجهها هادئ بصورة تثير القلق
كأنها نجت من كارثة لا يتذكرها أحد سواها )
أنا شاهدة :
لا أعرف متى بدأت أخاف منها
في البداية كنت أحبها بطريقة مؤذية
أحملها إلى صدري كل ليلة كأن قلبي
مصنوع من شيء قابل للكسر
كنت أنام وهي بجانبي. أطعمها من طبقي
أحدثها عن العالم كما لو أنها ستخرج يوماً وتمشي بين الناس
كنت أظن أن الأطفال يمنحون الحياة للدمى
لكن الحقيقة أن بعض الدمى تمنح الأطفال سبباً للبقاء
حين كنت صغيرة ، لم يكن البيت بيتاً بالمعنى الحقيقي
كان مكاناً تتجاور فيه الأصوات المرتفعة
مع الصمت الطويل الخوف مع الروتين ، الوجوه مع الغياب
لهذا صنعت لها اسماً. سريراً صغيراً. وحياة كاملة
كنت أهرب إليها كلما شعرت
أن العالم أكبر من قدرتي على الاحتمال
وكانت دائماً هناك. الشيء الوحيد الذي لا يغادر
( تنظر إلى الدمية )
كبرت قبلي. هذا ما أشعر به الآن
أنا التي تغيّرت ألف مرة. أما هي فبقيت كما هي
العينان الزجاجيتان نفسيهما. الابتسامة المخيطة نفسها
البراءة نفسها. كأن الزمن مر فوقي وحدي
أتعرفون ما معنى أن تبقى الأشياء بريئة
بينما تتعفن أنت من الداخل؟
إنها إهانة لا تُحتمل.
كل سنة كانت تضيف إلى وجهي تعباً جديداً
إلى صوتي طبقة خافتة من الانكسار
إلى روحي حفرة أخرى. أما هي فظلت طفلة
وأنا صرت امرأة لا تتذكر متى انتهت طفولتها
( تجلس )
في العشرين ظننت أن الحب سينقذني
كل النساء يبدأن بهذا الوهم تقريباً
نظن أن أحدهم سيأتي أخيراً ويحمل هذا الخراب عنا
أن الحنان يمكن أن يعيد ترتيب الداخل
أن العناق بيت. لكن الرجال الذين مروا بي
كانوا يشبهون المسافرين في محطة باردة
يجلسون قليلاً ويتركون بعض الفوضى
ثم يرحلون. وكل مرة كنت أعود إليها
إلى الدمية. كأنها الناجية الوحيدة من حريق لا ينتهي
كنت أضعها أمامي وأسألها : كيف بقيتِ نقية؟
كيف لم تكرهي أحداً؟ كيف لم تتعلمي الحذر؟
كيف لم يتحول قلبك إلى حجر؟
طبعاً ، لم تكن تجيب
لكن صمتها كان يوجعني أكثر من الكلام
لأنني كنت أرى فيها ما فقدته
الإنسان لا يغار دائماً من الجمال. أحياناً يغار من البراءة
وأنا كنت أغار منها
( تنهض ببطء )
في إحدى الليالي حدث شيء غريب
كنت وحدي تماماً. الوحدة التي لا صوت فيها
الوحدة التي تسمع فيها أفكارك كأنها
خطوات شخص غريب داخل رأسك
جلست أمامها ساعات. أراقب وجهها
وفجأة ، شعرت بأنها تشفق علي
لا تسخر. لا تخيف. فقط تشفق
وهذا قتلني ، لأن الشفقة هي الوجه المهذب للاحتقار
صرخت فيها. قلت لها : ماذا تعرفين أنتِ عن الحياة؟
ماذا تعرفين عن الخذلان؟
عن الجسد الذي يتعب من حمل نفسه؟
عن امرأة تبتسم طوال الوقت كي لا تنهار أمام الآخرين؟
كنت أرتجف.ليس غضباً. بل لأنني أدركت فجأة
أنني لم أكن أحدث الدمية طوال تلك السنوات
كنت أحدث نفسي القديمة
الفتاة التي كنتها قبل أن يلمسها العالم بأصابعه الخشنة
( تلتقط الدمية )
حين أمسكت بها ، شعرت أنني أمسك آخر جزء حي مني
وهذا ما أخافني. البشر لا يقتلون ما يكرهونه دائماً
أحياناً يقتلون ما يحبونه ، حين يعجزون عن حمايته
مزقت ذراعها أولاً. ثم ثوبها. ثم نزعت رأسها ببطء
كان القطن يتساقط على الأرض كثلج قذر
وأنا أنظر إليه ، شعرت كأن شيئاً داخلي يتمزق معه
لكنني أكملت. كأنني كنت
أريد الوصول إلى النهاية بأي ثمن
وحين انتهيت ، لم أشعر بالراحة
شعرت بأن الغرفة أصبحت أوسع بشكل مخيف
أبرد. أكثر وحشة ، كأنني لم أقتل دمية
بل قتلت الطفلة الأخيرة التي كانت
ما تزال تؤمن بإمكانية النجاة
( صمت طويل )
منذ تلك الليلة ، وأنا أفهم النساء أكثر
كل امرأة تحمل دمية مقتولة داخلها
قد لا تكون لعبة قماشية. ربما حلم
ثقة. براءة. قدرة على الحب
أو نسخة قديمة منها كانت تضحك بسهولة
لكن شيئاً ما يُقتل دائماً ، احساس غريب
والأسوأ أن العالم يطلب منا بعد ذلك أن نبدو بخير
أن نضع أحمر الشفاه فوق الخراب
أن نرتدي الأناقة فوق الندوب
أن نضحك في الصور بينما أرواحنا
تجلس بعيداً تبكي بصمت
كم هو مرهق أن تكوني امرأة
أن يُطلب منكِ النجاة دون أن تتغيري
أن تكوني قوية لكن ناعمة وحساسة لكن غير قابلة للكسر
حنونة لكن ليست ضعيفة. جميلة لكن بلا غرور
ناجحة لكن غير مخيفة. العالم لا يريد النساء
هو يريد معجزات قابلة للترويض
( تنظر إلى بقايا الدمية )
أحياناً أفكر ، ربما لم أقتلها تلك الليلة. ربما حررتها مني
ربما كانت متعبة من حمل كل هذا الحزن وحدها
من الاستماع إلى انهياراتي الصامتة
من مراقبتي وأنا أتحول ببطء إلى شخص لا أعرفه
ربما كانت تريد الموت. مثلنا تماماً
لكننا لا نعترف بذلك
( تبتسم ابتسامة صغيرة متعبة )
الآن كلما نظرت إلى الأطفال وهم يحتضنون دماهم
أشعر بالخوف عليهم. ليس لأن العالم قاس فقط
بل لأنهم سيكبرون يوماً وسيكتشفون
أن الأشياء التي أحبوها بصدق
إما تُنتزع منهم أو يضطرون هم إلى قتلها بأيديهم
كي يستطيعوا الاستمرار. هذا هو البلوغ الحقيقي
ليس العمر ولا الجسد ولا السنوات
البلوغ هو اللحظة التي تقتل فيها الجزء الرقيق منك
ثم تمشي بين الناس كأن شيئاً لم يحدث
( تنحني ببطء وتجمع بعض القطن المتناثر
من الأرض وتضغطه داخل يدها )
الغريب ، أنني بعد كل ما فعلته بها
ما زلت كل ليلة ، أنام بجوار الفراغ الذي تركته
شاهدة : (تفتح يدها ، تنظر إلى القطن المتناثر
كأنه رماد شيء كان حياً )
الغريب أنني بعد كل ما فعلته بها
ما زلت كل ليلة أنام بجوار الفراغ الذي تركته
ليس بجانب سريري. بل فراغها في صدري
ذاك المكان الصغير الذي كانت تحتله كل ليلة
حين كانت بين ذراعي. لا أثقل من ريشة
لكنها كانت تملأ فجوة لا يفهمها الجسد
فجوة لا تعرفها العظام ولا الشرايين
أتعرفون ما هو الفراغ؟ الفراغ ليس غياب الشيء
الفراغ هو استمرار حضور الشيء بصورته المعكوسة
دميتي الآن حاضرة أكثر مما كانت حين كانت سليمة
أرى ملامحها في كل زاوية. في ضوء القمر الخافت
في طي الغسيل. في صوت المطر حين يطرق النافذة نواحاً
حين أحضن مخد
أشعر بذراعها الممزقة تلمس ظهري
كأن من يموت لا يرحل
بل يتحول إلى طيف يعرف طرق منازلنا أفضل منا
( تمشى ببطء ، كأنها تمشى على رمال ساخنة )
سأخبركم شيئاً لم أخبر به أحداً
في البداية بعدما نزعت رأسها وذراعيها
تخلصت من بقاياها في كيس قمامة أسود
وضعته أمام الباب كي يأتي جامع النفايات صباحاً
حينها فقط شعرت بالحرية لخمس دقائق
ثم أدركت أن الحرية التي نشعر بها بعد القتل
ليست حرية. هي فقط لحظة صماء بين الدم والندم
عدت إلى الكيس في منتصف الليل
نعم ، فتحته كالمجرمين الذين يعودون
إلى مسرح جريمتهم ليس توبة
بل لأنهم لا يعرفون العيش خارج رائحة الجريمة
أخرجتها ، قطنها المبعثر. عيناها الزجاجيتان المفتوحتان
جسدها الممزق. أعدت تجميعها بخيط أسود
لأن غرفة بلا دمية كانت أكبر من أن تحتمل وحدتي
لكنها بعد التجميع لم تعد دميتي القديمة
أصبحت شيئاً آخر
شيئاً أعرفه تماماً : امرأة تجمعت من كسرها
(تضحك ضحكة يابسة)
الناس في الخارج يرونني امرأة طبيعية
أخرج إلى السوق. أشتري الخبز. أتحدث مع الجارة
أضحك حين يجب الضحك. لكنهم لا يرون أن
كل حركة من حركاتي خياطة جديدة لتمزيق قديم
المرأة حين تقتل جزءاً منها ، لا تصبح أقل
تصبح أثقل ، نحن لا نخف بعد القتل. نصير أثقل
أثقل بما يكفي لئلا تحملنا الرياح مجدداً
( تجلس على الكرسي الخشبي بثقل ، تنظر إلى يديها)
هاتان اليدان لم تستطيعا يوماً خياطة ما تمزق بداخلي
أنا لا أقصد الجرح الذي تسببت به لنفسي
عندما قتلت دميتي
أقصد الجرح الذي كان هناك قبل أن أولد
ذاك الجرح القديم الذي لم يخيطه أحد لأنه لا يرى بالعين
الجرح الذي يأخذ شكل دمية
أو شكل رجل يغيب دون وداع
أتعرفون ما هو أكثر شيء يبكيني في هذه القصة؟
أنه لا يوجد أشرار ، لا أحد شرير في هذه الغرفة
الرجال الذين رحلوا ليسوا شياطين
مجرد بشر خائفين من بقائهم طويلاً في مكان واحد
حتى أنا لست شريرة ، لست شريرة لأني قتلت دميتي
أنا فقط ، تعبت من كوني الطفلة الوحيدة
التي لا تكبر دميتها. كنت أريدها أن تكبر معي
أن تصبح مثلي. متعبة. نحيلة. شاحبة
تحمل هماً لا يموت. لكنها رفضت. ظلت بريئة
وهذه كانت جريمتها الوحيدة
أنها لم تستطع أن تصبح قبيحة مثلي
لماذا تحب النساء الدمى؟
لأن الدمية هي المرأة الوحيدة التي لا تبقى
الدمية لا تمل. لا تتعب من الاستماع
لا تقارنك بغيرك. لا تقول ‘ أنتِ لم تعدي كما كنت ‘
الدمية تحتمل كل شيء. حتى القتل. حتى القتل
أنا مزقتها وهي صامتة. هذا هو الصبر الحقيقي
صبر لا تعرفه الأمهات. ولا العشاق. ولا القديسون
صبر الدمية التي تعرف أنها خُلقت لتُترك ، فلماذا تتذمر؟
( تبكي فجأة ، لكن الدمعة واحدة فقط )
آه ، هذه الدمعة التي لم أسقطها يوم قتلتها
ها هي تأتي اليوم. متأخرة دائماً. كل دموعي متأخرة
أبكي على طفولتي وأنا في الأربعين
أبكي على رحيل رجل بعد عشر سنين من رحيله
أبكي على دمية قتلتني قبل أن أقتلها
لماذا لا نبكي في الوقت الصحيح؟
لأن الوقت الصحيح ليس موجوداً. الوقت كله متأخر
والدموع كلها مجرد اعتذارات متأخرة
عن أشياء لم نفعلها أو فعلناها بجهالة
( ترفع رأسها فجأة )
اسمعوا ، ربما
ربما كل النساء يحملن داخلهن دمية مقتولة
ليس بالضرورة دمية قماشية
ربما حلم بالهروب. فكرة أننا نستحق الحب
يقين بأن أحداً سينتظرنا. ظن بأن الصمت
سيتحول يوماً إلى كلام
أمنية بأن تكون الحياة أهون مما هي
كل ذلك يُقتل. ليس دفعة واحدة
بل ببطء. بخيط أسود. بغرزة غرزة
حين نقول لأنفسنا ‘ لا تضعي آمالاً كثيرة ‘
نقتل جزءاً صغيراً
حين نقول ‘ ليس مهماً أن تكوني سعيدة
المهم أن تكوني قوية ‘ ، نقتل جزءاً آخر
حين نضحك على آلامنا كي لا نبكي
نقتل دمية أخرى ، ونستمر. نقتل ونمشي
نقتل ونضع أحمر الشفاه
نقتل ونذهب إلى العمل. نقتل ونطبخ العشاء
نقتل وننام بجانب أزواج لا يسألون عن الدمى المقتولة
لأنهم أيضاً يقتلون دماهم الخاصة
كل البشر يقتلون شيئاً ثم يتظاهرون بأنهم لم يفعلوا
أنا فقط اعترفت. وهذا ليس شجاعة
هذا هو اليأس بعينه
اليأس أن تقول الحقيقة كاملة لأنك
لم تعد تخاف فقدان شيء ، لأنك فقدته بالفعل
(تلتفت حولها)
الآن ، وقد قتلت دميتي وأعدت خياطتها
وأعدت قتلها في خيالي مئة مرة
أشعر بشيء لم أشعر به من قبل. لست حزينة
لست نادمة. لست متعبة. أنا فقط على الحياد
( تهمس في أذن الدمية الممزقة )
أنا آسفة. لست آسفة لأني قتلتك
أنا آسفة لأني لم أقتلك من البداية
لأني تركتك ترين كل هذا البؤس
كان الأجدر بي أن أدفنك في حديقة المنزل القديم
يوم تركته نهائياً. لكنني حملتك معي
حملت الطفلة التي لا تكبر
والآن صارت الطفلة التي لا تكبر تحملني
أنا التي صرت دمية في يد دمية
( تصمت طويلاً. الضوء يبدأ بالخفتان ببطء )
لن أخبرك أين سأدفن بقاياكِ هذه المرة
لأنكِ تعرفين. تعرفين كل شيء
أنتِ لستِ دميتي. بل أنتِ أنا
ستار
طارق غريب –






