من أنت يا خائن الوطن

 

كتبت الاختصاصية الاجتماعية / صالحة نصيب

ما زلتُ في ذهولٍ وعدمِ القدرةِ على الاستيعاب: كيف لمن عاش وتربّى على أرضِ وطنٍ احتضنه وقدّم له الكثير، أن يفكّر لحظةً فقط، لحظةً واحدةً، في خيانته وبيعه على طبقٍ من ماذا؟! من ذهبٍ أو فضةٍ كما يقولون، أو دولاراتٍ، أو مكانةٍ ورتبةٍ عالية!؟ ماذا كان المقابل أيها الخائن لأرضٍ أرضعتْك من حنايا قلبها الحبَّ والرعايةَ من جميع النواحي، دون منّةٍ منها أو تذمّر!؟ ألم يخالجْك شعورٌ بالخوف أن تصيبَ خيانتُك أحدَ إخوتك ممن كنتَ ترتعُ وتلهو وتتعلّم معهم! وربما كنتَ تقضي النهارَ وشطرًا من الليلِ تسامرُه في منزله وبين أبويه!؟ ألم تتذكّرْ طفولتَك وشبابَك وأنتَ تعيشُ وسطَ إخوانك، وتحملُ هويةً وجوازًا يحملونه مثلَك، ولم يساورْ أحدَهم شكٌّ في أنك تحملُه فقط من أجلِ أهدافٍ خبيثةٍ تنمو في صدرِك؟! لا أعلمُ عن أبويْك: هل هما من أرضعاك الخبثَ والغدرَ حتى تحينَ ساعةُ الصفر!؟ أم هما مخدوعان مثلَنا نحنُ إخوتَك على هذه الأرضِ الطيبة، أرضِ الإمارات، أرضِ زايد -طيّب الله ثراه- الخيرِ والعطاء!! أرضِ من استمرّ على نهجِه وطريقتِه، وهو القائل: “الأرضُ أرضُ اللهِ والمالُ مالُ الله”؟ ألم تتذكّرْ هذه الكلماتِ التي تدلُّ وبشكلٍ قاطعٍ على أن من يعيش على هذه الأرض، إنها أرضُه، والاستمتاعُ بخيراتها وكلِّ ما فيها من حقِّه كما هو حقُّ أبنائها الأصليين، فكسر الحاجزَ وجعل الجميعَ أبناءً لهذه الأرض سواسيةً أمام القانون.

ولكنك للأسف، نعم للأسف، لم تتذكّرْ إلا أن تكون وصمةَ عارٍ على جبينك وجبينِ أبنائِك وأهلِك! نعم أعلمُ أنه {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ولكنها الحياة، والوصمةُ التي ألصقتَها بهم لا تُمحى ولا تزول، فخيانةُ الوطن ليست مثل سرقةِ بنكٍ أو محلٍّ أو بيت؟ إنها جريمةٌ نكراءُ تعافُها النفسُ السويّة، وإليك ما قاله هتلر عمّن كان جاسوسًا وخائنًا مثلك لوطنه، بعد أن قدّم له المعلومات عن أمورٍ لا يعلم عنها إلا أصحابُ الشأن وأهلُ الوطن الموثوق فيهم:

“إن أحقر الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي هم هؤلاء الذين ساعدوني على احتلال أوطانهم”.

نعم، إنهم أحقرُ الأشخاص وأذلُّهم، لأنهم عضّوا اليدَ التي احتضنتْهم، وفتحت الأبوابَ أمام تقدّمهم، كانت تريد منهم أن يكونوا سدًّا منيعًا لها إذا دارت الأيام، لكنهم سارعوا بطعنها في ظهرها وهي تدافع عنهم، وتحاول حمايتَهم بسواعدِ من كان له أخًا وصديقًا ورفيقًا في دروب الحياة؟

العقل يتوقف ليطرح السؤال الذي لم أجدْ له جوابًا؟! لماذا خنتَ وطنًا عشتَ ووُلدتَ على أرضه من أجلِ وطنٍ فرَّ وهرب منه أبواك ولم تعشْ على أرضه ولم يقدّمْ لك شيئًا! كما قدّم لك الوطنُ الذي خنتَه!؟ ما أصعبَها من كلمة: “خائن وطنه”! هل تعلم بمن تذكّرني؟ بذلك الابن الذي بذل والدُه الغالي والنفيس من أجل توفير الحياة الكريمة له منذ أن كان نطفةً في بطن أمّه حتى وصل إلى أعلى الرتب، ثم في غفلةٍ من والده والزمن استولى على جميع ما يملك، ثم رمى به في غياهب مراكز المسنين؟

هذا إن لم يحجرْ عليه أو يرمِه في وسط الشارع لتنهشه الكلابُ الجائعة! نعم إنك مثلُه تمامًا، ابنٌ عاقٌّ لا تعرف حرمةَ تراب الوطن، لذا بعتَه وغدرتَ به، لكن تذكّرْ أنك مجردُ نكرة، حتى أبناؤك سيردّدونها اليوم أو غدًا أنك نكرةٌ خائنٌ لوطنك، بائعٌ لكرامتك وعزةِ نفسك، هذا إن كانت لك عزةُ نفسٍ وكرامةٌ من الأساس، وعن نفسي أشكُّ في ذلك، فالكريم لا يطعن من الخلف، وعزيزُ النفس لا تغريه كنوزُ الدنيا على تلويث يديه وأهله وأبنائه.

آخرُ الكلام أيها الخائن: لا سلّمك الله ولا رعاك ولا حفظك، لأنك نجسٌ خائنٌ للأمانة والعِشرة..

 

من أنت يا خائن الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى