”لا تقرأ كتابك من الخلف”
"لا تقرأ كتابك من الخلف"

لا تنزعج إذا انقلبت حياتك رأسًا على عقب، فكيف تعرف أن الجانب الذي اعتدت عليه أفضل من ذلك الجانب الذي سوف يأتي.»
— جلال الدين الرومي
لا تقرأ كتابك من الخلف
تخيل أنك اشتريت رواية جديدة، ثم بدافع القلق أو الفضول، فتحت الصفحة الأخيرة أولًا، وقرأت بضعة أسطر منها، ثم أغلقت الكتاب، وحكمت على القصة كلها من نهايتها.
كم سيكون ذلك ظالمًا؟
ستفقد دهشة الأحداث، وستحرم نفسك من جمال التحولات، وربما تترك الرواية كلها قبل أن تصل إلى أجمل فصولها.
والغريب أننا نفعل هذا مع حياتنا طوال الوقت.
تمر بنا لحظة فشل، أو خسارة، أو تأخر، فنظن أننا قرأنا النهاية. نحكم على أنفسنا من تجربة واحدة، أو من سنة صعبة، أو من حلم لم يتحقق، وكأن ما كُتب حتى الآن هو كل ما سيُكتب.
لكن الحياة ليست صفحة واحدة، ولا فصلًا واحدًا. وما تعيشه الآن قد يكون مجرد جزء من قصة لم تكتمل بعد.
كم من إنسان وجد الحب بعد سنوات طويلة من الوحدة، وكم من شخص اكتشف شغفه الحقيقي بعد الأربعين، وكم من إنسان ظن أن كل شيء انتهى، ثم فوجئ بأن أجمل أيام حياته بدأت بعد أكثر لحظاته ظلمة.
المشكلة ليست في أن الحياة صعبة، بل في أننا نقرأ كتابنا من الخلف، ونظن أن الصفحة التي بين أيدينا هي الصفحة الأخيرة. وما دام هناك يوم جديد، وما دام هناك نفس يدخل ويخرج، فما زالت هناك صفحات لم تُكتب بعد.
•••
لكن المشكلة الأكبر أن عقولنا لا تتذكر كل الصفحات بالطريقة نفسها. لدينا قدرة غريبة على تجاهل مئات الأيام التي نجونا فيها، والتركيز على يوم واحد انكسرنا فيه.
ننسى الأبواب التي فُتحت، ونظل واقفين سنوات أمام الباب الذي أُغلق. ننسى الأشخاص الذين أحبونا، ونعيش أسرى لمن رحلوا. وكأن العقل يمسك بالقلم الأحمر، ويضع دائرة كبيرة حول الألم، ثم يهمس لنا: “هذا هو كل شيء.”
لكنه ليس كل شيء. لأنك لست أسوأ يوم مررت به. ولست أكبر خطأ ارتكبته. ولست الحلم الذي لم يتحقق. ولست الشخص الذي تخلى عنك. أنت أكبر من لحظة واحدة.
كم من شخص ظن أن النهاية قد وصلت، ثم اكتشف بعد سنوات أن ما ظنه نهاية كان مجرد انعطافة؟ وكم من باب أغلقه الحزن، ثم فتحه الزمن بهدوء؟ وكم من أمنية تأخرت، لا لأنها رُفضت، بل لأنها كانت تنتظر نسخة مختلفة منك.
فالحياة لا تتحرك بسرعة أحكامنا. ولا تكشف كل شيء دفعة واحدة. بعض الإجابات تحتاج سنوات حتى تظهر. وبعض الجروح لا تشرح نفسها إلا بعد أن تلتئم. وبعض الخسارات التي بكينا عليها طويلًا، ننظر إليها بعد سنوات، ونقول: الحمد لله أنها حدثت.
•••
وأحيانًا، لا تنقلب حياتنا لأننا ضللنا الطريق، بل لأن الطريق الذي اعتدناه لم يعد هو الطريق الذي يشبهنا.
تأتي التغيرات بطريقة قاسية. تغلق أبوابًا كنت تظن أنها خُلقت لك. وتسحب من حياتك أشخاصًا كنت تراهم جزءًا ثابتًا من أيامك. وتجعلك واقفًا أمام نسخة جديدة من حياتك لا تعرف ملامحها بعد.
وفي البداية يبدو كل شيء خسارة. لكن الزمن يملك قدرة غريبة على كشف ما لم نكن نراه. فنكتشف أن بعض النهايات كانت رحمة متنكرة في هيئة ألم. وأن بعض الأبواب المغلقة لم تكن عقابًا، بل حماية. وأن بعض الأحلام التي لم تتحقق، لو تحققت لأتعبت قلوبنا أكثر مما كانت ستسعدها.
كم من طريق تأخرنا في الوصول إليه، ثم شكرنا الله على التأخير، لأنه أنقذنا من طريق أسوأ. وكم من حلم بكينا عليه، ثم أدركنا بعد سنوات أن عدم تحققه كان رحمة لم نفهمها في وقتها.
المشكلة أننا نححب المألوف. نتعلق بما اعتدناه، حتى وإن كان يؤذينا. نخاف التغيير، لا لأنه سيئ، بل لأنه مجهول. فنتمسك بأبواب أغلقتها الحياة، ونبكي على صفحات انتهى دورها، بينما الحياة تحاول أن تفتح لنا فصلًا جديدًا.
•••
والمؤلم حقًا ليس أن نتألم. بل أن نعتقد أن الألم هو القصة كلها. أن نحكم على أعمار كاملة من خلال فصل واحد. وأن نعلن النهاية بينما ما زالت الصفحات البيضاء أكثر من الصفحات المكتوبة.
ولو أن الله أعطاك القوة من أول الطريق، لظننت أنك صاحب الفضل. ولو فتح لك الأبواب كلها دفعة واحدة، لامتلأ قلبك بالغرور.
لكن حين تُغلق في وجهك أبواب كنت تراها خلاصك، وحين يسقط من يدك ما كنت تظنه مصدر قوتك، تبدأ رحلة أخرى.. رحلة العودة إلى الله. رحلة اكتشاف أن القوة الحقيقية ليست في أن تملك كل شيء، بل أن تعرف أن كل شيء بيده.
فالابتلاء ليس قسوة.. إنه غربلة. تمامًا كما يهز الغربال الحبوب ليسقط الرديء ويبقى الطيب، تهزنا الحياة أحيانًا حتى تسقط أوهامنا، ويبقى جوهرنا الحقيقي.
إن الله لا يكتب النهايات العظيمة إلا بعد أن يعلم الإنسان كيف يكون صغيرًا أمامه، وضعيفًا بين يديه. لأن القوة التي تأتي بعد الانكسار ليست كأي قوة. والنور الذي يولد بعد العتمة لا يشبه أي نور. والقوة الحقيقية ليست أن تمسك الأشياء، بل أن تتحرر منها.
•••
فإذا وجدت نفسك اليوم تُنزع منك أشياء، أو تُغلق في وجهك أبواب، فلا تظنها هزيمة. إنها إعادة تشكيل. يد خفية تعيد ترتيبك لتصبح جديرًا بما هو قادم. فالقادم ليس سقوطًا، بل صعود من نوع آخر.. صعود لا يُرى بالعين، بل يُحس بالقلب.
لذلك…
إذا كنت تمر بيوم ثقيل…
إذا كنت تشعر أن كل شيء تأخر…
إذا كنت تنظر إلى حياتك الآن ولا ترى سوى الفوضى…
فلا تتعجل الحكم. ربما أنت الآن في منتصف الرواية، لكنك تتصرف وكأنك قرأت السطر الأخير.
ولا أحد يعرف كيف تنتهي قصته. هناك أشخاص ظنوا أنهم ضائعون، فاكتشفوا أنفسهم. وأشخاص ظنوا أنهم فشلوا، فوجدوا طريقًا لم يكونوا يتخيلونه. وأشخاص بكوا لأن شيئًا لم يحدث، ثم شكروا الله لأن ذلك الشيء لم يحدث.
فربما لم تصل بعد إلى الفصل الذي سيجعلك تفهم لماذا كان كل ما قبله ضروريًا. وربما تأتي لحظة تنظر فيها إلى كل ما حدث، وتبتسم، وتقول:
الآن فقط فهمت…
لماذا تأخر ما تمنيت… ولماذا رحل من رحل… ولماذا تغير كل شيء…
لأن بعض القصص الجميلة تبدأ بالفوضى… وبعض الأرزاق تأتي بعد الضياع… وبعض النسخ الأقوى من أنفسنا لا تولد إلا بعد أصعب الفصول.
وما دام هناك يوم جديد… فما زالت هناك صفحات لم تُكتب بعد.
فلا تحكم على قصتك قبل أن تكتمل… ولا تقرأ كتابك من الخلف.
بقلم / د.ريهام زكى
اخصائي نفسي
اخصائي إرشاد نفسي
اخصائي علاج معرفى سلوكى
ومدرب معتمد بالاتحاد الدولى للمدربين العرب






