رهبة وذكريات ” أول مرة”

كتبت /رباب عطيه
أول مرة.. حكاية لا تتكرر
هناك شيء مختلف في أول مرة شيء لا يمكن وصفه بسهولة. ربما لأنها تأتي محملة بالدهشة والترقب أو لأنها تترك في القلب أثرا لا يمحوه الزمن فمهما تكررت التجارب بعد ذلك تبقى المرة الأولى صاحبة المكانة الخاصة والذكرى الأجمل.
أول مرة نحب فيها نشعر وكأن العالم أصبح أكثر إشراقا. نهتم بالتفاصيل الصغيرة وننتظر الكلمات واللقاءات بشغف لا نعرف له تفسيرا وأول مرة نقابل شخصا نشعر نحوه بالارتياح تبقى ملامح اللقاء الأولى محفورة في الذاكرة مهما مرت السنوات.
وأول مرة نتعرف على أصدقاء جدد تحمل إحساسا مختلفا من الحماس والفضول نحاول اكتشاف شخصياتهم ونبني معهم ذكريات قد تستمر لسنوات طويلة. حتى أول مرة ننجح في أمر سعينا إليه كثيرا، أو أول مرة نحقق حلما ظنناه بعيدا تكون فرحتها استثنائية لا تشبه أي فرحة أخرى.
أول يوم في المدرسة، أول مرة نبتعد فيها عن أيدينا الصغيرة التي كانت تتشبث بأمهاتنا، أول مرة نقف فيها أمام فصل كامل من الأطفال لا نعرف منهم أحدا كانت قلوبنا تخفق بسرعة وعيوننا تبحث عن وجه مألوف يمنحنا بعض الطمأنينة اول حب اول لقاء او تعارف
ومع ذلك مرت الأيام وأصبح المكان الذي أخافنا في البداية جزءا من أجمل ذكرياتنا.
الخوف من المرة الأولى ليس ضعفا كما يعتقد البعض بل هو شعور إنساني طبيعي فنحن نخاف لأننا لا نعرف النتيجة ولأن عقولنا تميل دائما إلى الحذر من كل ما هو جديد. لهذا نشعر بالتوتر قبل أول امتحان مهم وأول مقابلة عمل وأول رحلة نسافر فيها بمفردنا وحتى أول تجربة حب أو مسؤولية حقيقية نتحملها في حياتنا.
لكن المدهش أن أغلب الأشياء التي أخافتنا في البداية أصبحت لاحقا أمورا عادية جدا أول مرة تعلمنا ركوب الدراجة بدت وكأنها مهمة مستحيلة وكنا نخشى السقوط في كل لحظة. وبعد فترة قصيرة أصبحنا نقودها دون تفكير
تجربة أول سواقة عربية… رهبة لا توصف لكن البداية دائما هي الأصعب.
رهبة أول مرة تحدثنا أمام جمهور كانت الكلمات تتعثر على ألسنتنا ثم اكتشفنا أن الثقة تأتي مع المحاولة لا قبلها.
المرة الأولى تعلمنا درسا مهما لا تقدمه الكتب ولا المدارس وهو أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف بل تعني التقدم رغم وجوده. فكل إنجاز في حياتنا كان في يوم من الأيام تجربة نخوضها للمرة الأولى. وكل شخص ناجح كان يوما ما مبتدئا مرتبكا لا يعرف كيف ستكون خطوته التالية.
ولعل أجمل ما في المرة الأولى أنها تترك أثرا لا يمحى.
قد ننسى تفاصيل كثيرة مرت بنا عبر السنوات لكننا غالبا نتذكر أول نجاح وأول فشل وأول حلم تحقق، وأول دمعة بسبب خيبة وأول لحظة شعرنا فيها أننا كبرنا فعلًا. تلك اللحظات تشكل جزءا من هويتنا وتبقى شاهدة على الطريق الذي قطعناه.
الحياة في جوهرها سلسلة طويلة من البدايات. وكلما تقدمنا في العمر اكتشفنا أن المرات الأولى لا تنتهي فهناك دائما تجربة جديدة وقرار جديد وحلم جديد ينتظر منا أن نمنحه الشجاعة الكافية لنخوضه. وربما لهذا السبب تبقى للمرة الأولى هيبتها الخاصة لأنها تذكرنا دائما بأن النمو يبدأ من خطوة مترددة وأن أجمل الأشياء قد تكون مختبئة خلف خوفنا منها.
لذلك عندما تقف أمام تجربة جديدة وتشعر بالقلق تذكر أن كل ما تتقنه اليوم كان يوما ما “أول مرة” وأن الخوف الذي تشعر به الآن قد يصبح غدا ذكرى جميلة ترويها بابتسامة.
“أول مرة” إنها لحظات لا تتكرر بنفس الإحساس أبدًا ولهذا تبقى عالقة في القلب قبل الذاكرة.
في النهاية قد ننسى كثيرا من التفاصيل التي عشناها لكننا نادرا ما ننسى شعورنا في المرة الأولى. فذلك الشعور هو الذي يمنح الحياة نكهتها الخاصة ويجعل لكل بداية قصة تستحق أن تُروى. أول مرة






