الزلزال الداخلي.. رحلة التعايش مع الصدمات

مقال أجتماعي

بقلم.. م/هبة صالح

الصدمة ليست بمجرد حدث عابر، بل هي زلزال داخلي يفصل عقلنا عن الواقع ومن ثم يغير مشاعرنا وأفكارنا ونظرتنا للحياة. 

قد تكون كارثة كبرى تهدم العالم، أو موقفاً بسيطاً يترك أثراً عميقاً. 

ولكن الأهم من حجم الحدث نفسه هو كيفية التعامل مع تداعياته.

 تعالو معاً نرتحل رحلة سريعه لفهم أنواع الصدمات، وكيف نحولها من كوابيس تعيقنا عن ممارسة حياتنا بشكل طبيعي إلى دروس تصقلنا وتجعلنا أكثر نضجا وفهمنا لمعني وجودنا في الحياة.

أولاً: 

التصنيف حسب الحدة (الصغرى والكبرى)

· الصدمات الصغرى (Micro-traumas): هي الخفايا اليومية التي لا نلحظها، لكنها تتراكم كقطرات الماء داخل وعاء فارغ حتي يمتلئ فتصبح آخر قطرة بمثابة الحدث القطعي الذي يجعل اتزناننا يختل . 

كانفصال الوالدين، الإهانات المتكررة، الفشل في امتحان، خيانة صديق بسيطة، أو التنمر اللفظي. تأثيرها بطيء ولكن تراكمي، وقد يؤدي مع الوقت إلى فقدان الثقة بالنفس أو القلق المزمن دون سبب واضح.

· الصدمات الكبرى (Macro-traumas): هي الأحداث الأكثر قوة وخطورة التي تهز كيان الوجود الذي بداخلنا، مثل فقدان شخص عزيز فجأة، الحوادث المروعة، الكوارث الطبيعية، العنف الجسدي، أو تشخيص مرض خطير . 

هذه الصدمات تعيد تشكيل خريطة الأمان في حياتنا، وقد تصحبها أعراض ما بعد الصدمة كالكوابيس والذكريات الاقتحامية.

ثانياً: 

التصنيف حسب الأثر

 (السلبية والموجبة)

· الصدمات السلبية: هي التي تتركنا عالقين في دائرة الألم.

لانها تنتج عن احتياجات لم تشبع في الصغر او وتختصر في الخذلان، فتجعلنا نتبنى أفكاراً مشوهة عن الذات (“أنا ضعيف”) أو عن العالم (“الحياة غير آمنة”).

 تؤدي إلى الانسحاب الاجتماعي، الاكتئاب، أو السلوكيات المدمرة كالإدمان. هنا تكون الصدمة سجناً نعيش فيه.

· الصدمات الموجبة ولها شقين 

_الشق الاول: 

هو ان تكون الصدمه بشكل مباشر وصريح تجاه الشخص وتحديدا في الصغر من قبل متولي الرعايه. 

_الشق الثاني: 

النمو ما بعد الصدمة فقد يبدو المصطلح متناقضاً، لكن الكثيرين مروا بتجربة تحول جذري بعد الألم.

 كمن أصيب بمرض فأدرك قيمة كل لحظة، أو من فشل في مشروع فتعلم أسرار النجاح، أو من فقد شخصاً فأصبح أكثر عطاءً وحناناً مع من بقوا. 

_هنا تتحول الصدمة إلى مولد للقوة الداخلية، وتعيد ترتيب الأولويات، وتجعلنا أكثر امتناناً ووعياً بالذات.

إضاءة: 

الصدمة الكبرى قد تكون موجبة، والصغرى قد تكون سلبية، والفارق هو الوعي وطريقة المعالجة.

ثالثًا: 

_كيف نتعايش مع الصدمات بوعي؟

التعايش لا يعني النسيان أو التغافل، بل يعني استيعاب الألم ونسج حياة جديدة حوله. 

وذلك يكون عن طريق 

1. الاعتراف دون إنكار. 

2. تفريغ الشحنة العاطفية. 

3. إعادة صياغة القصة. 

4. التواصل مع الآخرين. 

5. العناية بالجسد. 

6. طلب المساعدة من مختص لتفكيك ضفيرة الصدمه المخزنه في غير موضعها داخل راسك .

مثل: جلسات EMDR فعالة جداً في معالجة الصدمات الكبرى.

جلسات Schema Therapy 

وهي فعالة في حالة اضطرابات الشخصية الناتجه عن الاحتياجات الغير مشبعه. 

وتذكر. 

 طلب المساعدة هو قمة الوعي، وليس ضعفاً.

في النهاية،

الصدمة هي جزء من نسيج الحياة فالكل معرض لنسج هذا النسيج ، ولكن يجب ان نتعلم ان هذه الصدمة لا تكتب في قصتنا الفصل الأخير . 

الصدمة هي تماماً كالكسر في العظم؛ يؤلم بشدة عند الاصطدام، لكنه مع العلاج الصحيح والعناية، يلتئم ويصبح أقوى مما كان فالعطام التي تكسر وتجبر من الصعب كسرها مرة اخري .

ويجب علينا الا نعود للصدمة وما قبل الصدمه هكذا مرة.

ولكن يجب ان نعود إلي بناء ما هدم من بعد الصدمه لنصبح نسخة اقوي مما نحن عليه. نسخة تكون أكثر عمقاً، رحمة، وقوة من ذاتكِ القديمة. 

تعلم ان الألم مؤقت، لكن الحكمة من هذا الألم قد تدوم مدى الحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى