الحركات التكتونية للتغيير

مقال (٧) سلسلة مقالات إحداثيات النمو بقلم د.سمر رضا

لن تسمعوا صوته أبدًا.

الجبل الذي يقف الآن شامخًا، يخترق السحاب، لم يُصدر صوتًا واحدًا وهو يُولد. لا انفجار، لا زلزال، لا لحظة إعلان. فقط حركة أخفّ من نبضة قلب، تكرّرت لملايين السنين، حتى صار جبلًا.

وكل إنسان يحاول أن يتغيّر… يفعل نفس الشيء بالضبط. ولا يعلم.

كل ليلة ينام فيها المرء متعبًا من محاولة التغيير دون أن يرى نتيجة، كل مرة يسأل فيها نفسه “هل ما زال هذا يستحق العناء؟”، كل خطوة صغيرة يبدو أنها لا تُحدث فرقًا… هذه ليست علامة فشل. هذه هي اللحظة التي يُبنى فيها الجبل، تحت السطح، بعيدًا عن كل عين، حتى عن عيني صاحبه نفسه.

العالم لا يصفّق للحركة الأولى، يصفّق فقط حين يرى القمة. لكن بين أي إنسان وتلك اللحظة، آلاف الحركات الصامتة التي لا يراها أحد سواه.

المشكلة

نحاول أن نتغيّر: نبدأ عادة جديدة، نجتهد لنكون نسخة أفضل من أنفسنا. ثم بعد أسبوع أو شهر، ننظر ولا نرى فرقًا. فيهمس صوت داخلي قاسٍ: “لم يتغيّر شيء. توقف.”

هذا الصوت هو أخطر ما يواجه من يحاول أن يبني نفسه من جديد، لأنه يطلب منا أن نحكم على “بذرة” بمقياس “شجرة مثمرة”. يطلب أن نرى الجبل كاملًا، بينما ما زلنا في مرحلة “الصفيحة التكتونية” التي تتحرك بصمت تحت الأرض، تلك القوة الخفية التي تعمل دون أن تظهر نتيجتها فورًا.

كم إنسان توقف عن رحلته وهو على وشك أن يرى النتيجة، فقط لأنه لم يرها بعد؟

 

كيف نحمي أنفسنا من هذا الفخ

أولًا: غيّروا السؤال.

بدل “هل تغيّرت؟”، اسألوا “هل تحرّكت اليوم؟” ولو خطوة صغيرة، ولو أنك فقط لم تستسلم. هذا هو المقياس الحقيقي، لا ما تراه اليوم بعينك.

ثانيًا: صدّقوا أن الصمت ليس فراغًا.

حين لا ترى نتيجة، هذا لا يعني أن شيئًا لا يحدث. أعمق التحولات تحدث بعيدًا عن الأضواء، كجذور الشجرة التي تنمو في الظلام قبل أن تُثمر فوقها ولو ورقة.

ثالثًا: لا تقارنوا بدايتكم بقمة غيركم.

أنت لا ترى “الصفيحة التكتونية” التي تحرّكت في حياة من تقارن نفسك بهم، سنواتهم الصامتة من الجهد الذي لم يره أحد. أنت فقط ترى جبلهم النهائي.

رابعًا: استمروا، حتى في لحظة الشك.

الشك ليس دليلًا على الفشل، هو فقط جزء من الطريق. أكمل، ولو بثقة أقل، فالاستمرار وحده يحوّل الحركة الصغيرة إلى جبل شامخ.

كلمة إليك

أعرف هذا الشعور جيدًا، أن تجتهد كثيرًا، ثم لا ترى أثرًا لكل هذا الجهد. مررتُ بلحظات ظننتُ فيها أن كل ما أبنيه يذهب هباءً. لكنني تعلّمت أن أثق بما لا أراه، وأن التحول الحقيقي لا يستأذن أحدًا قبل أن يظهر، هو فقط يحدث، بصمت، حتى يحين وقته.

فثقوا بحركتكم، ولو بدت بطيئة جدًا. أنتم لستم متأخرين، أنتم فقط في مرحلة ما قبل الجبل.

مجمل القول

لا أحد يبكي عند ولادة جبل. لأن لا أحد يعرف أنه يُولد.

كل ما تحمله الآن من ألم صامت، من مجهود لا يراه أحد، من ليالٍ سألت فيها نفسك “لماذا لا أرى نتيجة؟”… هذا ليس فشلك. هذا ثمن كل شيء عظيم لم يُولد بعد.

الأرض لا تعتذر عن الوقت الذي تأخذه لتصنع جبلًا. فلماذا تعتذر أنت عن الوقت الذي تأخذه لتصنع نفسك؟

استمر. فحين يظهر جبلك أخيرًا للعالم… لن يسأل أحد كم استغرقت. سيسألون فقط: كيف وصلت إلى هذا الارتفاع؟

انتهى الأمر….

د.سمر رضا

دكتوراه الفلسفة في الآداب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى