اللَّيْلُ… دَفْتَرُ الذِّكْرَيَاتِ كلمات الأديب: محمود طه

اللَّيْلُ… دَفْتَرُ الذِّكْرَيَاتِ
بقلم الأديب: محمود طه.
فِي اللَّيْلِ حِكَايَاتٌ وَرِوَايَاتٌ لَا يَرْوِيهَا ضَجِيجُ النَّهَارِ وَلَا زَحْمَةُ العَالَمِ.
فِي اللَّيْلِ عَالَمٌ آخَرُ، عَالَمٌ يَسُودُهُ الهُدُوءُ النَّفْسِيُّ وَالسَّكِينَةُ. يَخْلَعُ النَّهَارُ عَبَاءَتَهُ بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ صِرَاعَاتٍ وَضَجِيجٍ، لِيَأْتِيَ اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَهُوَ رَفِيقُ الرُّوحِ.
فِيهِ نَسْتَعِيدُ كُلَّ مَا مَضَى مِنْ ذِكْرَيَاتِنَا. كَمْ مِنَ الأَحْزَانِ مَرَّتْ بِنَا، وَكَمْ مِنَ الأَفْرَاحِ عَبَرَتْ قُلُوبَنَا! كَمْ ضَحِكْنَا وَكَمْ بَكَيْنَا، كَمْ عَشِقْنَا وَأَحْبَبْنَا، وَكَمْ تَأَلَّمْنَا وَتَوَجَّعْنَا.
كَمْ مِنْ لَحَظَاتٍ أَرْهَقَتْنَا فِيهَا الحَيَاةُ، وَمَعَ ذَلِكَ صَمَدْنَا وَثَبَتْنَا. فَنَحْنُ كَالْجِبَالِ الشَّامِخَةِ، لَا تَهُزُّهَا الرِّيَاحُ مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّتُهَا. نَظَلُّ بِصُمُودِنَا وَشُمُوخِنَا ثَابِتِينَ.
وَفِي اللَّيْلِ تَحْيَا قُلُوبٌ كَادَتْ أَنْ تَمُوتَ، وَتَسْتَيْقِظُ جُفُونٌ أَثْقَلَهَا التَّعَبُ فَغَفَلَتْ وَنَامَتْ. لِتَصْحُوَ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ لَحَظَاتٍ مِنْ هُدُوءٍ وَتَأَمُّلٍ فِي
هٰذَا اللَّيْلِ الطَّوِيلِ.
وَاللَّيْلُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ظَلَامٍ يَسُودُ السَّمَاءَ. إِنَّمَا هُوَ دَفْتَرُ الذِّكْرَيَاتِ وَالحِكَايَاتِ، يَطْوِي فِي صَفَحَاتِهِ أَسْرَارًا وَخَفَايَا، وَيَحْتَضِنُ أَدْعِيَةً وَمُنَاجَاةً خَاشِعَةً لِصَاحِبِ هٰذَا الكَوْنِ الوَاسِعِ.
وَهَكَذَا يَظَلُّ اللَّيْلُ شَاهِدًا عَلَى مَا تُخْفِيهِ القُلُوبُ تَحْتَ تِلْكَ العَبَاءَةِ السُّودَاءِ، وَمَا لَا يَسْتَطِيعُ النَّهَارُ أَنْ يَرَاهُ بِضَجِيجِهِ.






