أخر الأخبار

كيف تتخلص من “تآكل الدماغ”؟

رحلة في تأثير الإدمان الرقمي على العقل، وكيف تستعيد تركيزك في عالمٍ لا يتوقف عن التشتيت

بقلم: نصر أحمد عبدالله

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتتنافس فيه الشاشات والمنصات على جذب انتباهنا، أصبح العقل البشري يعيش حالةً من الضغط المستمر والإرهاق الذهني، يصفها بعض الخبراء بمصطلح “تآكل الدماغ”.
هذه الظاهرة لا تعني فقدانًا حقيقيًا لأنسجة المخ، لكنها تشير إلى الانخفاض التدريجي في قدرات التركيز، والذاكرة، والإبداع، نتيجة التعرض المفرط للمحفزات السطحية والمعلومات المتدفقة دون توقف.

وقد أثبتت الدراسات أن الإدمان الرقمي يسبب مشكلات عديدة، على رأسها اضطرابات النوم، والصداع، ومشكلات الرؤية، والشعور بالضغط العصبي.

وفي زمنٍ أصبحت فيه أطراف أصابعنا تجدّف بلا وجهة في بحر المحتوى الرقمي، ابتلعنا تيار السطحية، وغرقنا في قاعٍ موحلٍ من التفاهة.

تبدأ الرحلة بمقطعٍ قصير، ربما “ريل” عابر لا تتجاوز مدته ثوانٍ معدودة، لكن سرعان ما تجد نفسك غارقًا في دوامةٍ لا تنتهي من مئات المقاطع المختزلة، تُرهق عينيك، ولا تُغني فكرك بشيء.

إنه الإدمان الناعم، وجرعة الدوبامين الزائفة، التي تسلب منك الوقت، وتسرق منك التركيز، حتى تصبح عاجزًا عن تأمل نصٍ عميق، أو تذوّق فكرةٍ ناضجة.

وليس غريبًا، إذن، أن تعلن جامعة أكسفورد مصطلح “تآكل الدماغ” كلمة العام 2024؛ في اعترافٍ ضمني بحجم التدهور الفكري الذي تسببه فوضى المحتوى السطحي على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا التآكل لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة حتمية لوتيرة الاستهلاك السريع والمفرط التي تحدث عنها العديد من الخبراء والكتّاب. ففي كتاب “لا تغذِّ عقل القرد”، تحذر جينيفر شانون من ترك عقولنا رهينةً للملهيات السطحية.

بينما ينبّهنا كارل أونوريه، في كتاب “في مديح البطء”, إلى خطورة العيش في عجلةٍ لا تتيح لنا فرصة التوقف والتفكير. أما كتاب “دماغك تحت تأثير الإباحية”، فيسلّط فيه غاري ويلسون الضوء على كيفية انحراف العقل البشري بسهولة أمام محفزات الإدمان السريعة، مشيرًا إلى أن الإغراق في المتع السطحية يعيد برمجة أدمغتنا لتصبح أقل قدرةً على التركيز، وأكثر انجذابًا إلى التفاهة.

في العصر الحديث، أصبحت الأجهزة الذكية جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، ولكن هل تعلم أن هذه الأجهزة قد تهدد صحة أدمغتنا؟


أسباب “تآكل الدماغ”

  • الإفراط في استخدام التكنولوجيا: التنقل السريع بين التطبيقات ومواقع التواصل يُرهق الجهاز العصبي ويضعف القدرة على التركيز العميق.
  • المعلومات الزائدة (Overload): استقبال كمٍّ هائل من الأخبار والمحتوى يوميًا دون تنظيم أو انتقاء.
  • الإجهاد المستمر: ضغوط العمل والحياة اليومية تستنزف الطاقة الذهنية.
  • قلة النوم: الحرمان من النوم الكافي يُضعف وظائف الدماغ بشكل ملحوظ.

تآكل الدماغ.. كيف كشفت جامعة أكسفورد العلّة؟

أعلنت جامعة أكسفورد، في بداية هذا الشهر، أن مصطلح “تآكل الدماغ” هو كلمتها لعام 2024، وذلك بعد تصويتٍ عام شارك فيه أكثر من 37 ألف شخص. وجاء هذا المصطلح في صدارة قائمة مختصرة أعدّتها اللجنة اللغوية، لتعكس المزاج العام والمحادثات التي سادت خلال العام الماضي.

وبعد مراجعة مدخلات الجمهور ونتائج التصويت، إلى جانب البيانات اللغوية، تم اختيار المصطلح بشكلٍ نهائي.

لكن، لماذا اختير “تآكل الدماغ” تحديدًا؟

وفقًا لتقرير جامعة أكسفورد، يشير المصطلح إلى التدهور التدريجي للحالة العقلية أو الفكرية للفرد، والذي غالبًا ما يُعزى إلى الاستهلاك المفرط لمحتوى سطحي أو غير محفّز، خاصة عبر الإنترنت. كما يُستخدم للإشارة إلى أي نشاط أو محتوى يُعتقد أنه يُسهم في هذا التدهور.

وقد رصد خبراء الجامعة ارتفاعًا ملحوظًا في استخدام المصطلح خلال العام الماضي، حيث أصبح يُعبّر عن القلق المتزايد من تأثير المحتوى منخفض الجودة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي الواقع، ارتفعت نسبة استخدام المصطلح بنحو 230% بين عامي 2023 و2024، مما يعكس تنامي الوعي بتأثير هذا النوع من المحتوى على الصحة العقلية.


طرق التخلص من “تآكل الدماغ”

  • تنظيم استهلاك المعلومات: حدّد أوقاتًا لتصفح الأخبار ومواقع التواصل، وتجنب استخدامها بشكلٍ عشوائي طوال اليوم.
  • العودة إلى القراءة العميقة: خصّص وقتًا لقراءة الكتب أو المقالات الطويلة، فهي تُدرّب الدماغ على التركيز المستمر.
  • التأمل وتمارين التنفس: تساعد على تهدئة الذهن وزيادة الصفاء العقلي.
  • النوم الكافي: احرص على النوم من 7 إلى 8 ساعات يوميًا لتجديد طاقة الدماغ.
  • تنويع الأنشطة الذهنية: مثل تعلم مهارة جديدة أو ممارسة ألعاب التفكير.
  • ممارسة الرياضة: تنشّط الدورة الدموية وتُغذي خلايا الدماغ بالأكسجين.

نصيحة محب

إن حماية عقولنا في هذا العصر الرقمي مسؤولية فردية، تبدأ بوعي الإنسان بخطورة الاستهلاك العشوائي للمعلومات، وتمرّ ببناء عاداتٍ ذكية تحافظ على قدراته العقلية.

“تآكل الدماغ” ليس قدرًا محتومًا، بل تحدٍ يمكن تجاوزه، إذا اخترنا أن نعيش بعقلٍ حاضر، ونفسٍ متزنة، وروحٍ متعطشةٍ للمعرفة الحقيقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى