آليات الدفاع النفسي… الإسقاط “توأم الإنكار الشرير”
عندما تأخذ وجعك وتلقي به على غيرك

بقلم د/سارة العناني
(الحلقة الثانية من سلسلة: آليات الدفاع النفسي)
هل قابلت يوماً شخصاً يكذب، ويتهم كل من حوله بأنهم “كاذبون”؟!
هل قابلت خائناً يمسك هاتف شريكه كل يوم، متأكداً بدون أي دليل أنه “يخونه”؟!!
للوهلة الأولى، قد نقول إن هذا الشخص “سيئ النية” أو “مريض بالشك”.
ولكن ماذا لو أخبرتك أنه في أغلب الأحيان لا يرى الحقيقة على الإطلاق؟
ماذا لو كان ما يفعله هو أنه يقف أمام مرآة روحه، فيرى عيوبه هو، ولكنه يظن أن الانعكاس هو وجهك أنت؟
هذا هو “الإسقاط” (Projection). ليس شكاً، بل هو حيلة دفاع نفسي لا واعي.
إنه الطريقة التي يلجأ بها دماغنا لحمايتنا من أفكارنا المظلمة، بأن يقنعنا أنها ليست أفكارنا… بل أفعال الآخرين.
بعد أن تحدثنا عن “الإنكار” الذي يجعلنا نقول: “لا يوجد حريق”، سنتحدث اليوم عن “الإسقاط” الذي يجعلنا نصرخ في وجه جارنا:
“بيتك هو الذي يحترق”.
أولاً:
ما هو “الإسقاط”؟
علمياً، الإسقاط هو آلية دفاعية لا واعية، يأخذ فيها الشخص مشاعره، أو دوافعه، أو أفكاره غير المقبولة (التي يشعر بها من خزي وعار)، وينسبها لشخص آخر.
ببساطة:
العقل الباطن يقول:
“أنا لا أستطيع تحمل فكرة أني أنا الشخص الحسود/الكاذب/الطماع.
فهذا مؤلم جداً.
سألقي بهذه الصفة التي تؤلمني في الخارج.
فلان هو الحسود!
فلان هو الكذاب!”
تذكر:
الشخص المُسقِط لا يكذب عليك.
هو حقاً يرى الصفة فيك. دفاعاته النفسية رسمتها على وجهك، وهو الآن يتفاعل مع اللوحة التي رسمها بنفسه لنفسه، ولكن من خلالك أنت.
ثانياً:
متى يحمينا الإسقاط؟ (الوجه الإنساني للآلية)
داخل جوهر الشخص، الإسقاط هو محاولة يائسة من الدماغ للحفاظ على تقدير الذات.
فقد تكون هذه المحاولة مفيدة، ولكن بشكل مؤقت:
فمثلاً شخص بالفعل فاشل في عمله، هنا لا يعترف بفشله، ولكن يقول: “المدير ظالمني”.
هذه كذبة مريحة تمنعه من الانهيار الفوري تحت ثقل الفشل.
لكن المشكلة، كما في الإنكار، هي الاستمرار في العيش خلف هذا الجدار.
ثالثاً:
وجوه الإسقاط في حياتنا اليومية (الأقنعة)
للإسقاط وجوه عديدة، وقد تُصدم عندما تراها في مرآة علاقاتك:
إسقاط الصفات المرفوضة (Classic Projection):
ما تراه:
شخص يهاجم المثليين بعنف شديد، أو يطارد “أخطاء” الناس الأخلاقية.
ما لا تراه:
صراع داخلي مرعب مع رغباته هو أو تاريخه الشخصي.
فالهجوم هنا على “الخطيئة” من الخارج هو محاولة لإسكات صراخها في الداخل.
إسقاط الضمير (Projection of Conscience):
ما تراه:
رجل يخون زوجته، وفجأة يصبح شكاكاً بشكل مرضي، يتهمها بالخيانة دون دليل.
ما لا تراه:
ضميره يؤنبه، لكن بدلاً من أن يقول: “أنا مذنب”، قلبه وقالبه ليحمي نفسه، فيقول: “لا، أنتِ المذنبة!”.
هو يلقي بذنبه على زوجته التي لم تخنه بالفعل ليعاقبها بدلاً من عقاب نفسه.
الإسقاط التعويضي (Complementary Projection):
ما تراه:
شخص يتنمر على زميله لأنه “جبان وضعيف”.
ما لا تراه:
خوفه الرهيب من أن يرى أحد ضعفه هو.
فيبدأ بضرب الصفة التي يكرهها في نفسه ليخفيها عن نفسه وعن الآخرين فيك أنت.
رابعاً:
كيف تعرف أنك تُسقِط؟ وكيف توقف ذلك؟!
بما أن الآلية لا واعية، فأنت لا تشعر بها.
لكن يمكنك رؤية آثارها.
علامة الإسقاط الكبرى: عندما تجد نفسك تنزعج بشكل مفرط وغير مبرر من شخص ما.
عندما لا يكون مجرد “عدم توافق”، بل كراهية تشتعل داخلك، أو حكم قاسٍ جداً.
فهنا اسأل نفسك السؤال الأصعب والأشجع في علم النفس:
“هل الشيء الذي يزعجني في هذا الشخص… هو موجود فيّ أنا أيضاً؟”
هذا السؤال هو قنبلة نووية تهدم جدار الإسقاط. قد لا تحب الإجابة، لكنها بداية الحرية الحقيقية.
تذكر…….
1/في رحلتنا الثانية مع آليات الدفاع النفسي، نتعلم درساً صادماً:
ما نكرهه في الخارج، غالباً ما يكون ساكناً في الداخل.
الحرب التي تخوضها مع العالم، قد تكون انعكاساً لحرب لم تحسمها مع نفسك بعد.
2/علاج الإسقاط هو الاستبصار.
هو أن تدرك أن المرآة التي تنظر إليها طوال اليوم، هي مرآة روحك أنت.
تعلم أن تقول لنفسك: “أنا لست ضحية العالم.
العالم هو مجرد شاشة عرض لأفلامي الداخلية”.
3/الظن السيئ
ليس مجرد إثم على الآخر.
إنه في علم النفس، إعلان عن صراع داخلي يجب أن يُسمع بشكل صحيح ويُخاطب بصوت رحيم.
4/التوقف عن إسقاط ألمنا على الآخرين هو أول خطوة نحو السلام الداخلي والمجتمعي.
وختاماً…….
في المرة القادمة التي تشير فيها بأصبع الاتهام إلى أحد… انظر إلى يدك. ستجد ثلاثة أصابع تشير إليك أنت.
وتذكر……….
“الوعي = حياة”
ميعادنا إن شاء الله الإثنين القادم.
(الحلقة الثالثة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي)






