حين تطلب بعض الزوجات أن تكنّ الأولوية المطلقة… وتُنسى الأم

الأولوية المطلقة

بقلم
د.عصمت ماهر

في زمن كثرت فيه المطالب والضغوط داخل العلاقات الأسرية، أصبح بعض الرجال يعيشون صراعًا مؤلمًا بين زوجة يريد لها السعادة،
وأمٍ أفنت عمرها في تربيته.
والمشكلة لا تبدأ حين تطلب الزوجة حقها، فذلك حق مشروع،
وإنما تبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى رغبة في الاستحواذ على كل المساحة في حياة الزوج.

فبعض الزوجات لا يكتفين بالحب والاهتمام والرعاية التي تستحقها الزوجة،
بل يردن أن يصبحن المركز الوحيد في حياة الزوج،
حتى لو كان الثمن إبعاد أمه،
أو التقليل من شأنها،
أو إشعاره بالذنب كلما اهتم بها أو سأل عنها أو جلس معها.

تبدأ الحكاية بكلمات تبدو بسيطة:
“أنا أولى منك بأمك.”
“أمك أهم مني دائمًا.”
“طالما بتحب أمك بالشكل ده، روح عيش معاها.”

ثم مع الوقت تتحول هذه الكلمات إلى ضغوط مستمرة تجعل الرجل يشعر أنه مطالب بالاختيار بين زوجته وأمه، وكأن الحب والبر لا يمكن أن يجتمعا في قلب واحد.

ومن المؤسف أن بعض الزوجات يستخدمن البكاء والنحيب والضغط العاطفي كسلاح للتأثير على الزوج وإبعاده عن أمه.
فيجد الرجل نفسه أمام دموع تستدر عطفه، و
شكاوى متكررة تدفعه تدريجيًا إلى تقليل التواصل مع أمه أو إهمالها أو الابتعاد عنها.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن البكاء لا يجعل الخطأ صوابًا،
ولا يحول العقوق إلى بر،
ولا يبرر للإنسان أن يقصر في حق أمه التي حملته وربته وسهرت عليه سنوات طويلة.

الأم ليست منافسة للزوجة،
ولم تدخل حياتك لتأخذ مكانها.

الأم كانت موجودة قبل الجميع، وكانت تحبك حين لم يكن حولك أحد، وكانت تسهر لأجلك حين كان العالم كله نائمًا.

ومن الظلم أن يُطلب من الابن أن يرد هذا الجميل بالجفاء أو الإهمال أو القطيعة إرضاءً لأي شخص مهما كانت مكانته.

الزوجة الصالحة لا تدفع زوجها بعيدًا عن أمه، بل تعينه على برها.
لأنها تعلم أن الرجل الذي يحفظ الجميل لأمه هو رجل يعرف قيمة الوفاء، وأن الذي ينسى فضل أمه قد ينسى فضل غيرها يومًا ما.

وعلى بعض الزوجات أن يتذكرن أن الأيام لا تثبت على حال.
فاليوم هي زوجة، وغدًا قد تكون أمًا لابن يكبر ويتزوج.
وحينها ستتمنى أن تجد زوجة ابنها تشجعه على برها لا أن تبعده عنها، وستتمنى أن تشعر بالحب والاحترام لا بالإقصاء والتجاهل.
فكما تدين تُدان، وكما تعامل الناس يُرجى أن يعاملوك.
ومن تسعى إلى هدم العلاقة بين الابن وأمه قد تجد نفسها يومًا تتذوق مرارة الشعور ذاته عندما تتبدل الأدوار وتدور الأيام.

والرجل الحكيم لا يسمح لأحد أن يضعه أمام خيار ظالم: إما أمك أو زوجتك.
لأن هذا الخيار من الأساس خيار خاطئ.

فمن حق الزوجة أن تُحترم وتُكرم وتُصان مشاعرها،
ومن حق الأم أن تُبر وتُوقر ويُحفظ لها فضلها ومكانتها.
ولا ينبغي أن يكون حق إحداهما على حساب الأخرى.

وفي النهاية…
أحب زوجتك، وأعطها حقوقها كاملة، وراعِ مشاعرها واحتياجاتها.

لكن..
لا تسمح لأحد أن يجعلك تنسى المرأة التي كانت السبب – بعد الله – في وجودك على هذه الحياة.

فالأم لا تطلب الكثير…
كل ما تريده أن تشعر أن ابنها الذي حملته في قلبها قبل ذراعيها، وربته من تعبها وعمرها، ما زال يتذكر فضلها، وما زال يحفظ لها مكانتها التي لا ينازعها فيها أحد.

فالزوجة شريكة عمر، أما الأم فهي أصل العمر كله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى