الإدارة بين الواقع والمطلوب: كيف نغير أسلوبنا في العمل لننجح

مقال رأي

بقلم د/ وفدي عبد الواحد  دكتوارة في ادارة الاعمال “كلية التجارة جامعة المنصورة”

في أغلب الشركات والمؤسسات، يدور صراع صامت بين طريقتين للإدارة: طريقة قديمة تعتمد على الأوامر الجافة والتحكم الصارم، وطريقة حديثة تفرضها علينا تحديات العصر والنجاح الحقيقي. الحقيقة أن الكثير من المؤسسات ما زالت عالقة في “الواقع القديم”، مما يجعلها تخسر كفاءات ومواهب كانت ستبني لها مستقبلاً أفضل، فقط لأن أسلوب التعامل لا يشجع على الإبداع. إن الكرسي الإداري ليس منصة لممارسة النفوذ، بل هو أمانة لصناعة الإنسان قبل بناء الجدران والمؤسسات.

​الواقع: المدير الذي يطرد الموظفين!

​إذا نظرنا بواقعية لما يحدث داخل بيئات العمل اليوم، سنجد أن المشكلة الكبرى ليست في طبيعة العمل نفسه، بل في “أسلوب المدير”. المدير الذي يظن أن الحزم يعني الصراخ أو تصيد الأخطاء، هو في الحقيقة يدمر عمله بيده، ويطفئ شعلة الحماس في نفوس فريقه. فالإدارة بالخوف قد تصنع التزاماً مؤقتاً، لكنها أبداً لا تصنع إبداعاً ولا ولاءً.

​تشير الإحصاءات في سوق العمل إلى أن أكثر من 65% من الموظفين الذين يتركون وظائفهم، لا يستقيلون بسبب ضعف الراتب أو طبيعة المهام، بل يغادرون هرباً من “المدير المباشر” وبيئة العمل السامة. فالموظف الذي يشعر أنه مجرد أداة صامتة لتنفيذ الأوامر، يفقد روحه الإيجابية سريعاً، ويبدأ في البحث عن مكان يقدر جهده ويحترم كرامته بدلاً من أن يحصي عليه أنفاسه. لقد رأينا شركات كبرى فقدت أبرز خبراءها بسبب هذا التعنت، مما كبدها خسائر مالية بالملايين، والأهم من ذلك خسارة “السمعة الطيبة” في السوق، فالأبراج العالية قد تلفت الأنظار، لكن العقول المبدعة هي التي تديرها وتحميها من السقوط.

​المطلوب: كيف نطور بيئة العمل؟

​لكي تنجح أي مؤسسة في العصر الحديث، يجب أن يتغير أسلوب الإدارة من مربع “السيطرة” إلى رحاب “التمكين والدعم”. المدير الناجح اليوم ليس هو الذي يرتعد الموظفون خوفاً بمجرد سماع خطواته في الممرات، بل هو القائد الذي يمنح الأمان، ويستمع للجميع بذكاء، ويجعل فريقه يعمل بشغف لرفعة المؤسسة وتطويرها.

​ما الذي نحتاجه فعلياً في الإدارة الحديثة؟

​التركيز على النتائج لا الساعات: لا يهم أن يجلس الموظف على مكتبه لعدد ساعات طويل بلا إنتاج، المهم هو ما يقدمه من جودة وابتكار. الشركات العالمية الناجحة اليوم تمنح موظفيها مرونة عالية، لأنها تعلم أن العقل المطمئن ينتج أضعاف العقل الذي يعيش تحت مقصلة التهديد المستمر.

​العدالة والشفافية: عندما يرى الموظف أن التقييم يتم بناءً على أرقام وإنجازات حقيقية على أرض الواقع، وليس بناءً على “المجاملات” أو القرب الشخصي من المدير، سيزيد ولاؤه وتتضاعف طاقته لإثبات ذاته.

​تدريب فريق عمل للمستقبل: المدير الذكي والواثق من نفسه هو الذي يبني من حوله صفاً ثانياً من القادة. هو لا يخاف من تفويض الصلاحيات، بل يؤمن بأن نجاح فريقه هو المرآة الحقيقية لقوته ونجاحه الشخصي.

​كيف نصل إلى الهدف؟

​تقليل المسافة بين الواقع الذي نعيشه وبين النجاح المطلوب ليس مستحيلاً، بل هو خطوة تبدأ بقرار شجاع من الإدارة العليا بالاستثمار في “الإنسان” قبل “المكان”. إن توفير المكاتب الفخمة والأجهزة الحديثة لن يصنع فارقاً إذا كانت النفوس محطمة، فالإنجاز الحقيقي يصنعه موظف يجد صوته مسموعاً، ويرى في خطأه فرصة للتعلم وليس مبرراً للإهانة والتهميش.

​في النهاية،

الموظف الذي يجد التقدير والاحتواء، سيعطي الشركة من روحه وفكره قبل مجهوده البدني. الإدارة في جوهرها هي فن التعامل مع العلاقات الإنسانية بذكاء ومرونة، فإذا صلحت هذه العلاقة، استقام العمل كله وتضاعفت الأرباح، فالمنصب يزول والأوراق تطوى، ويبقى الأثر الجميل والسيرة الطيبة في قلوب البشر.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى