تقدير الذات يبدأ من الطفولة” كيف يصنع الأهل صورة الطفل عن نفسه

الطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية عابرة، بل هي الجذور الأولى التي تتشكل فيها النفس، ومنها يبدأ بناء الإنسان من الداخل. وما يُزرع في الطفل اليوم، قد يحصده غدًا في علاقاته، قراراته، ونظرته لنفسه.
في علم ، يؤكد المختصون أن تقدير الذات لا يتكون فجأة، بل يبدأ منذ السنوات الأولى من العمر، حين يتلقى الطفل رسائل غير مباشرة من والديه عن قيمته.
هل أنا محبوب؟ هل أنا كافٍ؟ هل أخطائي تجعلني سيئًا؟ هل مشاعري مسموعة ومفهومة؟
هذه الأسئلة لا ينطقها الطفل، لكنها تُبنى داخله مع كل كلمة، وكل نظرة، وكل أسلوب تعامل.
فالطفل الذي يسمع باستمرار: “أنت لا تفهم شيئًا” “أنت فاشل” “لماذا لا تصبح مثل غيرك؟”
يكبر وهو يحمل شعورًا خفيًا بالنقص، وقد يظل طوال حياته يحاول إثبات نفسه، أو ينهار أمام أقل رفض، لأن جذور قيمته تعرضت للكسر مبكرًا.
أما الطفل الذي يُربّى على الاحتواء، والتوجيه دون إذلال، والحزم دون قسوة، يكبر وهو يعلم أن الخطأ لا يلغي قيمته، وأن الفشل تجربة، لا هوية.
وهنا نرى كيف سبق الإسلام علم النفس في تأسيس قيمة الإنسان؛ فقد قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
هذه الآية تؤكد أن قيمة الإنسان أصلٌ في خلقه، وليست مرتبطة بإنجازاته أو برضا الناس عنه.
لكن بعض البيئات الأسرية تهدم هذا التكريم بالكلمات الجارحة، والمقارنات المؤذية، والتجاهل العاطفي، فينشأ الطفل وهو يبحث عن قيمته خارج نفسه.
وقد حمّل الله الأهل مسؤولية هذا البناء النفسي قبل السلوكي فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
فالتربية ليست فقط إطعامًا وتعليمًا، بل حماية نفسية وعاطفية أيضًا.
وفي الحديث الشريف، قال :
“إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه”
وهذا أصل تربوي عظيم؛ فالرفق لا يضعف الطفل، بل يمنحه أمانًا نفسيًا يساعده على النمو الصحي.
وفي المقابل، القسوة المستمرة قد تخلق داخل الطفل خوفًا دائمًا، أو غضبًا مكبوتًا، أو شخصية مهزوزة تبحث عن القبول بأي ثمن.
وفي كثير من الحالات التي يدرسها علم ، نجد أن القلق، والخوف من الهجر، والتعلق المرضي، وحتى الانجذاب للعلاقات السامة، تعود جذورها إلى طفل داخلي لم يشعر يومًا أنه كافٍ.
ولهذا قال الله:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
فالكلمة ليست مجرد صوت، بل قد تكون بناءً أو هدمًا.
وقال النبي ﷺ:
“ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”
وهنا نتعلم أن السيطرة على الغضب داخل البيت جزء من بناء نفس سليمة، لأن لحظة غضب واحدة قد تترك أثرًا نفسيًا لسنوات.
إن بناء تقدير الذات لا يكون بالمدح الزائد، ولا بالتدليل المفرط، بل بالاتزان: أن يشعر الطفل أنه محبوب، لكنه مسؤول. مقبول، لكنه قابل للنمو. يخطئ، لكنه لا يفقد قيمته.
فالأهل لا يربون طفلًا فقط… بل يصنعون إنسانًا سيحمل صوتهم الداخلي معه طوال عمره.
فاحذرو أن يكون صوتك داخل ابنك. أو ابنتك. سكينًا يجرحه كلما أخطأ، واجعل كلماتك مأوى، لا معركة.
لأن الطفل الذي ينشأ وهو يعرف قيمته، ويؤمن أن الله كرّمه… يصعب على العالم أن يكسره…
الفكرة هنا: المقال ليس فقط نفسيًا، بل جذوره موجودة في الدين؛ فالإسلام سبق كثيرًا من نظريات Psychology في فهم أثر الكلمة، والرحمة، والتربية على تكوين الإنسان.
بقلم.مني يٓسن





