من داخل جروبات شاومينج.. كيف يُباع وهم تعديل درجات الثانوية العامة مقابل آلاف الجنيهات| رحلة الوصول لـ95%

ما إن أسدل الستار على امتحانات الثانوية العامة 2026، حتى تبدل نشاط جروبات الغش الإلكتروني المعروفة باسم شاومينج، فبعد أن كانت تروج لقدرتها على تسريب الامتحانات، تحولت فجأة إلى الترويج لما وصفته بتعديل درجات الثانوية العامة من داخل الكنترول، مقابل مبالغ مالية تتراوح بين آلاف الجنيهات، مستغلة حالة القلق التي يعيشها الطلاب وأولياء الأمور انتظارًا للنتيجة.
وخلال تتبع استمر لعدة أيام، رصدنا كيف تعمل تلك الجروبات، وكيف تُدار عملية الإيقاع بالضحايا، بداية من نشر رسائل مطمئنة، مرورًا بعرض أسعار تعديل الدرجات، وصولًا إلى طلب تحويل الأموال، قبل أن تنفي وزارة التربية والتعليم تمامًا صحة تلك المزاعم، مؤكدة أن الأمر لا يعدو كونه عمليات نصب واحتيال.
المرحلة الأولى.. صناعة الثقة قبل طلب الأموال
بدأت القصة بمجرد انتهاء آخر امتحان، إذ نشر أحد أشهر جروبات شاومينج رسالة قال فيها: الحمد لله الامتحانات خلصت.. وهنبدأ معاكم في الكنترول، ثم أعلن إنشاء قناة جديدة حملت اسم “نتيجة تالتة ثانوي”، قبل أن تتبعه بقية القنوات بإنشاء مجموعات بديلة تحمل الرسالة نفسها.

اعتمدت تلك الجروبات على أسلوب نفسي واضح، إذ بدأت برسائل تستهدف إثارة القلق لدى الطالب، مثل: “أكيد قلقان وخايف من النتيجة.. متاح الآن اعتماد النتيجة من داخل الكنترول، ويتم الاتفاق على النسبة المطلوبة للمجموع الكلي”، مع التأكيد على أن الأماكن محدودة وأن باب الحجز سيغلق خلال أيام، في محاولة لدفع أولياء الأمور لاتخاذ قرار سريع دون تفكير.

ولتعزيز مصداقيتها، نشرت صورًا زعمت أنها من داخل الكنترولات، إلا أن تتبعها أظهر أن بعضها يعود إلى حملة صحية، بينما تعود صور أخرى إلى كنترولات امتحانات النقل في ليبيا، سبق نشرها عبر صفحات رسمية، ولا علاقة لها بالثانوية العامة المصرية.

ولم تكتف بذلك، بل بثت تسجيلات صوتية لأشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم أولياء أمور يشكرون القائمين على القنوات بعد “تعديل النتائج”، رغم أن النتيجة لم تكن قد ظهرت من الأساس، بما يكشف اعتمادها على محتوى مفبرك لإقناع المتابعين.
المرحلة الثانية.. الانتقال إلى بيع الوهم
بعد بناء قدر من الثقة، انتقلت الجروبات إلى المرحلة التالية، وهي عرض خدمات “التعديل”، فامتلأت القنوات بصور لنتائج قيل إنها تغيرت من مجموع إلى آخر، ورسائل تهنئة للطلاب الذين عدلوا درجاتهم، مع عبارات تؤكد أن التعديل يتم من الكنترول المركزي وأن الشهادة الرسمية ستظهر بالدرجات الجديدة.

كما زعمت تلك الجروبات أن التظلمات لن تفيد، وأن الفرصة الوحيدة هي التعديل المباشر قبل إعلان النتيجة، بل ووعدت بإمكانية رفع المجموع إلى 90% أو 95%، مقابل مبالغ تختلف حسب النسبة المطلوبة.

تجربة عملية.. ماذا قال مسؤولو الجروبات؟
وللتأكد من حقيقة الأمر، تواصلنا مع أحد مسؤولي تلك القنوات، الذي قدم نفسه باسم “د. أحمد السيد”، وبسؤاله عن إمكانية تعديل الدرجات، أكد أن الأمر يتم من الكنترول، ثم بدأ الحديث مباشرة عن الأسعار، محددًا 3000 جنيه للوصول إلى 85%، و4000 جنيه لـ90%، و5000 جنيه لـ95%.
وعند سؤاله عن الضمانات، اكتفى بالإشارة إلى صور منشورة داخل القناة، مدعيًا أنها لطلاب سبق تعديل نتائجهم، ثم طلب سداد نصف المبلغ مقدمًا، والنصف الآخر بعد إتمام التعديل.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أكد أن النتيجة ستتغير خلال ساعات لاختبار مدى جدية تلك الادعاءات، أرسلنا بيانات غير صحيحة بالكامل، شملت اسمًا ورقم جلوس وبيانات طالب لا وجود له، إلا أن المفاجأة كانت أن مسؤول القناة لم يطلب أي تحقق، ولم يكتشف عدم صحة البيانات، بل أكد أنه سيرسل صورة قبل التعديل وأخرى بعده، رغم أن النتيجة الرسمية لم تكن قد أُعلنت بعد.

بيانات مفبركة.. والموافقة على التعديل
لاختبار مدى جدية تلك الادعاءات، أرسلنا بيانات غير صحيحة بالكامل، شملت اسمًا ورقم جلوس وبيانات طالب لا وجود له، إلا أن المفاجأة كانت أن مسؤول القناة لم يطلب أي تحقق، ولم يكتشف عدم صحة البيانات، بل أكد أن العمل بدأ بالفعل، وأن التعديل سيتم خلال ست ساعات، مقابل تحويل 4000 جنيه.

هذه الخطوة كشفت بوضوح أن الهدف ليس تعديل النتائج، وإنما إقناع الضحية بالدفع، بغض النظر عن صحة البيانات التي يقدمها.

أسعار متفاوتة.. ومحافظ إلكترونية
وخلال التتبع، رصدنا قناة أخرى يديرها شخص يطلق على نفسه أحمد جلال، عرض قائمة أسعار كاملة، تضمنت تعديل المادة الواحدة، أو رفع المجموع إلى نسب مختلفة، مع تحديد أرقام لتحويل الأموال عبر المحافظ الإلكترونية، وطلب بيانات تفصيلية تشمل الاسم الرباعي، ورقم الجلوس، والمحافظة، والمدرسة، والرقم القومي.

كما اشترط تحويل المبلغ خلال دقائق، مبررًا ذلك بكثرة الطلبات، وهي طريقة معروفة في عمليات الاحتيال لدفع الضحية إلى اتخاذ القرار سريعًا.

كما ظهرت قنوات أخرى تعرض تعديل نتيجة المادة الواحدة مقابل 300 جنيه، مع تغيير أرقام الهواتف المستخدمة بصورة متكررة، في محاولة لتفادي التتبع.
وزارة التعليم: لا أساس لهذه المزاعم
في المقابل، حسم مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني الجدل، مؤكدًا أن ما يتم تداوله عبر تلك الجروبات لا أساس له من الصحة، وأنها مجرد صفحات تستهدف النصب على الطلاب وأولياء الأمور.
وأوضح المصدر أن أعمال التصحيح ورصد وتجميع الدرجات تتم داخل منظومة إلكترونية مؤمنة، تخضع لإجراءات رقابية صارمة، بما يستحيل معه التلاعب بالنتائج أو تعديلها من داخل الكنترولات.
كما نفى المصدر وجود أي شخص يحمل الصفة التي يدعيها مسؤولو تلك الجروبات، مؤكدًا أنه لا يوجد ما يسمى “د أحمد جلال” أو أي مسؤول بالكنترولات يعمل مع تلك القنوات، مشددًا على أن الكنترولات مؤمنة بالكامل وتخضع للمتابعة المستمرة.

وناشدت الوزارة أولياء الأمور بعدم الانسياق وراء هذه المزاعم، وعدم تحويل أي مبالغ مالية تحت دعاوى تعديل النتائج، مؤكدة أن الجهات المختصة تتابع تلك الصفحات لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق القائمين عليها.
خبير تكنولوجيا المعلومات: الاحتيال يعتمد على الضغط النفسي
وبدوره، يقول محمد الحارثي، خبير تكنولوجيا المعلومات وعضو لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، إن ما رصدته تلك الجروبات لا يخرج عن كونه نموذجًا متكررًا لعمليات الاحتيال الإلكتروني، التي تعتمد في المقام الأول على استغلال الحالة النفسية للضحية، وليس على امتلاك قدرة حقيقية على اختراق الأنظمة أو التلاعب بها.
ويوضح الحارثي أن القائمين على هذه الشبكات يبدأون ببناء حالة من الثقة لدى المتابعين، من خلال نشر صور ومستندات يدّعون أنها من داخل الكنترولات، أو نشر تسجيلات صوتية وشهادات لأشخاص يزعمون أنهم استفادوا من الخدمة، وهي وسائل تستهدف إقناع الضحية بأن العملية سبق تنفيذها مع آخرين، وأنها أمر واقع وليست مجرد ادعاءات.
ويضيف أن المرحلة التالية تعتمد على خلق شعور بالاستعجال، عبر عبارات مثل “آخر فرصة”، و”الأماكن محدودة”، و”النتيجة هتظهر بكرة”، وهي أساليب نفسية معروفة في جرائم الاحتيال الإلكتروني، لأنها تدفع الضحية لاتخاذ قرار سريع دون منح نفسه فرصة للتفكير أو التحقق من صحة المعلومات.

وأشار إلى أن اختيار تطبيق تيليجرام ليس مصادفة، إذ يوفر إمكانيات واسعة لإدارة قنوات تضم آلاف المشتركين، مع إمكانية إخفاء هوية المدير، واستخدام أسماء وصور مستعارة، وتغيير اسم القناة أو رابطها أو حذفها وإنشاء أخرى خلال دقائق، فضلًا عن الاعتماد على روبوتات Bots لإرسال الرسائل تلقائيًا، وإدارة الردود، ونشر المحتوى بصورة تبدو وكأنها تفاعل حقيقي بين أعضاء القناة.
ولفت إلى أن هذه الشبكات لا تعتمد على قناة واحدة، وإنما تنشئ عشرات القنوات المرتبطة ببعضها، بحيث إذا أُغلقت إحداها، يتم تحويل الأعضاء مباشرة إلى قناة بديلة، وهو ما يفسر ظهور قنوات جديدة بأسماء مختلفة بعد انتهاء الامتحانات مباشرة، مع الاحتفاظ بنفس أسلوب النشر والمحتوى.


وفيما يتعلق بطلب تحويل الأموال، أوضح الحارثي أن المحتالين يفضلون استخدام المحافظ الإلكترونية أو أرقام الدفع الفوري، لأنها تضمن لهم الحصول على الأموال قبل أن يكتشف الضحية عملية الاحتيال، كما أنهم كثيرًا ما يعتمدون على محافظ أو شرائح اتصال مسجلة بأسماء آخرين أو ما يُعرف بـ”الوسطاء”، في محاولة لإخفاء هوياتهم الحقيقية وتعقيد عملية تتبعهم.
وأكد أن تغيير أرقام الهواتف بصورة متكررة، أو مطالبة الضحية بالتواصل عبر حسابات جديدة كل فترة، يعد من العلامات الواضحة على وجود نشاط احتيالي منظم، يهدف إلى تفادي الرصد والإبلاغ، مشيرًا إلى أن هذه الأساليب أصبحت شائعة في الجرائم الإلكترونية التي تستهدف جمع الأموال خلال فترة قصيرة ثم الاختفاء.

وشدد الحارثي على أن استخدام تطبيقات مشفرة مثل تيليجرام لا يعني أن مرتكبي هذه الجرائم أصبحوا بمنأى عن الملاحقة القانونية، موضحًا أن كل نشاط رقمي يترك أثرًا يمكن تتبعه، سواء من خلال سجلات الاتصالات، أو المحافظ الإلكترونية، أو البصمة الرقمية للأجهزة المستخدمة، أو أنماط الاتصال بين الحسابات المختلفة، وهو ما يمكن أن تستند إليه جهات إنفاذ القانون في التحقيقات الرقمية.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن أخطر ما في هذه الشبكات ليس ادعاؤها القدرة على تعديل الدرجات، وإنما نجاحها في استغلال حالة القلق التي يعيشها طلاب الثانوية العامة وأولياء أمورهم، لافتًا إلى أن أي جهة تدّعي قدرتها على تعديل نتيجة رسمية مقابل مبالغ مالية، وتطلب الدفع مقدمًا، هي في الغالب تمارس عملية احتيال إلكتروني مكتملة الأركان، ولا تقدم أي خدمة حقيقية، وإنما تراهن على خوف الضحية ورغبته في تصديق أي أمل، حتى وإن كان وهمًا.
بعد خداع أولياء الأمور.. هذه العقوبات تنتظر القائمين على جروبات تعديل الدرجات
وعلى الصعيد القانوني، يوضح أحمد نبيل المحامي بالنقض، أن القائمين على تلك الجروبات، حال ثبوت حصولهم على أموال من الطلاب أو أولياء الأمور مقابل وعود كاذبة بتعديل درجات الثانوية العامة، قد يواجهون عدة اتهامات، في مقدمتها النصب والاحتيال والاستيلاء على أموال الغير باستخدام وسائل احتيالية، إلى جانب انتحال صفة إذا ثبت ادعاؤهم العمل داخل الكنترولات أو انتسابهم إلى وزارة التربية والتعليم أو أي جهة رسمية.
ويضيف نبيل، أن الواقعة قد تندرج أيضًا تحت طائلة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إذا ثبت استخدام المواقع الإلكترونية أو تطبيقات التواصل في تنفيذ عمليات الاحتيال أو تضليل المواطنين وجمع الأموال بطرق غير مشروعة.

كما يشير، إلى أن العقوبات تختلف وفقًا للتكييف القانوني لكل واقعة وما تسفر عنه التحقيقات، إلا أنها قد تشمل الحبس والغرامة، ورد الأموال المتحصلة من الجريمة، مع تشديد العقوبة في حال ثبوت تعدد الضحايا أو ارتكاب الجريمة من خلال شبكة معلوماتية أو في إطار تشكيل عصابي منظم.
ويشدد على أن مجرد الادعاء بالقدرة على التدخل في أعمال الكنترولات أو تعديل النتائج الرسمية، إذا اقترن بالحصول على مقابل مادي، قد يشكل جريمة مكتملة الأركان، تستوجب تدخل جهات التحقيق لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق القائمين على تلك الصفحات والقنوات.

وبينما تواصل جروبات شاومينج الترويج لقدرتها على تعديل النتائج، تؤكد الوقائع التي رصدها التقرير، إلى جانب تصريحات وزارة التربية والتعليم وخبراء التكنولوجيا، أن الأمر لا يتجاوز كونه عملية احتيال منظمة تستغل حالة الترقب والقلق التي يعيشها طلاب الثانوية العامة وأولياء أمورهم، في محاولة للاستيلاء على أموالهم عبر وعود لا تستند إلى أي أساس من الصحة.






