حين يكون الصلح هدنه لا علاجا
مقال اجتماعي

بقلم د.نشوى حيده
اخصائى الإرشاد الاسري والزواجي وتعديل السلوك.
في كثير من العلاقات ، يأتي طرف يطلب الصلح، فيستجيب الطرف الآخر بدافع المحبة، أو الحفاظ على العشرة، أو رغبة في إنهاء الخلاف. وتنتهي القطيعة، لكن بعد فترة يعود كل شيء كما كان، بل وربما بصورة أسوأ. وهنا يتردد السؤال: إذا كنا قد تصالحنا، فلماذا تتكرر المشكلة؟
الإجابة .. أن الصلح وحده لا يكفي، إذا لم تُحل الأسباب التي أدت إلى الخصام.
فالخصام ليس هو المشكلة، بل هو نتيجة لمشكلة أعمق. قد تكون غياب الأحترام، أو سوء التواصل، أو التدخل في الخصوصيات، أو تكرار التجاوزات، أو عدم تحمل المسؤولية. فإذا اكتفينا بإزالة النتيجة، وتركنا السبب، فمن الطبيعي أن يتكرر المشهد مرات عديده .
يشبه الأمر إيقاف جرس إنذار الحريق، بينما لا تزال النار مشتعلة… سيتوقف الصوت، لكن الخطر لم ينتهِ.
ومن الأخطاء الشائعة أن يظن البعض أن مجرد قول: ” الصلح خير او خلينا ننسى اللي فات” ، كافٍ لبدء صفحة جديدة. لكن الصفحة الجديدة لا يجب ان تُكتب بنفس القلم الذي كتب المشكلة الأولى. فإذا لم يتغير السلوك، ولم تُناقش أسباب الخلاف بصدق، فإن الصفحة الجديدة لن تكون إلا نسخة أخرى من القديمة.
الصلح الحقيقي والصحي لا يقوم فقط على الإعتذار، بل يحتاج إلى عدة عناصر:
● الإعتراف الحقيقي بسبب المشكلة، دون إنكار أو تبرير.
● تحمل كل طرف مسؤوليته عما حدث.
● الإتفاق على ما يجب أن يتغير حتى لا يتكرر الخلاف مره اخرى .
● احترام الحدود والإحتياجات التي ظهرت بسبب الأزمة.
● وجود أفعال تثبت التغيير، لا مجرد وعود فقط .
أما إذا كان الصلح مجرد محاولة لإسكات الأزمة مؤقتًا، فإن الشخص الذي تعرض للأذى قد يعيش في حالة ترقب دائم، يخشى عودة الموقف نفسه. ومع كل تكرار، يصبح الجرح أعمق، لأن الألم لا يأتي من المشكلة وحدها، بل من تكرارها بعد وعود بالإصلاح.
لذلك، من حق الإنسان أن يقول: ” أنا لا أرفض الصلح، لكنني أحتاج أن أطمأن ان المشكله لن تتكرر مرة أخرى.”
هذا ليس تعنتًا، ولا قسوة، بل هو طلب مشروع يهدف إلى حماية العلاقة، وليس هدمها.
إن العلاقات لا تستمر بحسن النوايا وحده، بل بإستعداد الطرفين للتغيير. فالإعتذار يرمم المشاعر، أما تغيير السلوك فهو الذي يحمي العلاقة من الإنهيار مرة أخرى.
وفي النهايه …
ليس كل صلح يعني أن المشكلة انتهت، وليس كل مصافحة تعني أن القلوب قد تعافت.
أحيانًا يكون أهم سؤال بعد الصلح ليس: “هل سامحت؟”
بل: “ما الذي سيتغير حتى لا نعود إلى النقطة نفسها؟”






