رحلة السيدة زينب من كربلاء إلى الفسطاط.. وهكذا تحول اسم مسجدها لأهم أحياء القاهرة

مصباح من مصابيح الهداية، التي انبعثت من مشكاة النبوة إلى أرض مصر، وتملأها نورا، وتُضفى عليها قدسية، وتفيض عليها خيرًا وبركة، وتجعلها بين البلاد الإسلامية مشرق أنوار، ومهبط الأسرار، ومركز إشعاع ديني وعلمي لجميع الأقطار.
ألقابها
هي أول سيدة في الإسلام قُدر لها أن تلعب على مسرح الأحداث السياسية، فقد اقترن اسمها في التاريخ الإسلامى والإنساني بمأساة (كربلاء) إحدى المعارك الحاسمة، إنها الطاهرة، السيدة، الغريبة، العقيلة، العالمة غير المعلمة، صاحبة الشورى، رئيسة الديوان، أم هاشم، أم العواجز، الحوراء، بطلة كربلاء، أم المصائب؛ لأنها شاهدت مصيبة وفاة جددها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومصيبة وفاة أمها السيدة “فاطمة الزهراء” ومحنتها، ومصيبة قتل أبيها الإمام “علي بن أبي طالب” ومحنته، ومصيبة شهادة أخيها الإمام “الحسن بن علي” بالسم ومحنته، والمصيبة العظمى بقتل أخيها الإمام “الحسين بن علي” من مبتداها إلى منتهاها، وقُتل ولداها “عون” و”محمد” مع خالهما أمام عينها، ونور يرسل أشعته إلى القلوب مؤمنة، فيملأها هداية، وحكمة، ومحبة، وإيمانا، أنها “السيدة زينب” رضي الله عنها.
نشرت جريدة الأهرام في تاريخ 23ديسمبر عام 1929م مقالا في الصفحة الثامنة تحت عنوان
“السيدة زينب … ونبذة تاريخية عن المقام الزينبي ومسجده الجامع”
وجاء في تفاصيل المقال:
(لآل بيت النبي المختار علينا مزيد الاحترام والإجلال والإكرام، فالمقام الزينبي يؤمه الجم الخفير من جميع أنحاء القاهرة والبلاد البعيدة الأطراف للزيارة والتماس البركة، ولا غرو في ذلك، فالسيدة “زينب “رضي الله عنها من أجل أهل البيت الكرام حسبًا وأعلاهم نسبا، فهي شقيقة الامام أبى محمد الحسن والإمام أبى عبد الله الحسين ـ رضي الله عنهما ـ وأقدم أهل البيت نزولا في مصر).
ولدت في بيت النبوة وسماها رسول الله “زينب”؛ إحياء لذكرى ابنته “السيدة زينب”، وهي ابنة سيدنا “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه، والسيدة “فاطمة الزهراء” ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنهاـ.
تزوجت بابن عمها “عبد الله بن جعفر” (الطيار) بن أبي طالب، وكان عبد الله هذا فارسًا شهمًا نبيلاً كريمًا، واشتهر بلقب”قُطب السخاء”، وهو أول طفل ولد أثناء الهجرة الأولى بأرض الحبشة، وهو يكبُر السيدة بخمس سنوات، أنجبت ذكورا وإناثا، وهم جعفر، وعلي، وعون الكبير، ثم أم كلثوم، وأم عبد الله”.
واشتهرت السيدة بجمال الخِلقة والخُلق والإقدام والبلاغة، وبالكرم وحسن المشورة، والعلاقة بالله، وكثيرًا ما كان يرجع إليها أبوها وإخوتها في الرأي، ويأخذون بمشورتها؛ لبُعد نظرها وقوة إدراكها.
ولما خرج الإمام “الحسين” ـ رضي الله عنه ـ في جهاد الغاصب الفاسد “يزيد بن معاوية” شاركته السيدة في رحلته وقاسمته الجهاد، وتشجع الضعفاء، وتخدم المقاتلين، وقد كانت أبلغ وأخطب وأشعر سيدة من أهل البيت خاصة، والنساء عامة في عصرها.
وقتل “الحسين” وساقوها أسيرة مع السبايا، وقفت على ساحة المعركة، تقول: “يا محمداه! يا محمداه! هذا الحسين في العراء، مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه! هذه بناتك سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليها الرياح”، فلم تبق عين إلا بكت، ولا قلب إلا وجف.”
وفى نفس الصفحة وردت تفاصيل عن ميلادها وحياتها الشريفة:-
(وُلدت السيدة زينب ـ رضي الله عنها ـ في المدينة المنورة قبل وفاة جدها المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخمس سنوات، وتزوجت في شبابها من ابن عمها الإمام “عبد الله ابن جعفر”، ورُزقت منه أربعة أولاد، ولما عزم الإمام الحسين على المطالبة بالخلافة وجمع جموعه ورحل إلى العراق، كانت السيدة في ركابه، ولما استشهد في كربلاء كانت السيدة وأولادها بين يديه، ومما يؤثر عنها خطابها البليغ في تقريع أهل الكوفة لعدم مناصرتهم أخاها الإمام الحسين وخذلانهم إياه قولها:
“يا أهل الكوفة أتبكون؟! فلا سكنت العبرة÷، ولا هدأت الذمة إنما مثلكم مثل التي قضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم. ألا ساء ما تزرون. إي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأنى تحرضون قتل سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة ومدار حجتكم وهو سيّد شباب أهل الجنّة” .
“لقد أتيتم بها خَرقاء شوهاء أتعجبون لو أمطرت السماء دماً ألا ساء ما لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون، أتدرون وأي كريمة أبرزتم لقد جئتم شيئا إذا تكاد السموات تفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، يا محمد هذا حسين بالعراء، مزمل بالدماء، مُقطع الأعضاء، يا محمد آه بنانك سبايا، وذريتك قتلى، يا أهل الكوفة لعذاب الآخرة أخرى، وأنتم لا تنصرون كلا إن ربى وربكم لبالمرصاد”.
رحلتها من المدينة إلى مصر ووفاتها
ووصلت السيدة زينب إلي مصر في شعبان عام 61 هجرية، بعد أن أعطاها “يزيد” فرصة منفاها، واستقبلها والي وأهل مصر استقبالاً رائعًا غامرًا، لم يسبق له مثيل، حيث فرحوا كثيرا بقدومها، وذلك حُبًا في جدها رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وتبرُكًا بنسبها الشريف.
وبعد الترحيب الكبير الذي لقيته السيدة “زينب” ومن معها، دعت دعوتها الشهيرة لأهل مصر فقالت “أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، وجعل لكم من كل مصيبة مخرجا ومن كل ضيق فرج”.
واستقرت السيدة في أرض مصر ووهبها والي مصر آنذاك قصره كله للإقامة فيه، لكنها اكتفت بغرفة واحدة فقط في القصر، وأقامت هذه الغرفة، وجعلتها مكانا لتعبدها وزهدها، وتوفيت في 14 رجب 62 هجرية بعد عام واحد من قدومها إلي مصر، ودُفنت في بيت الوالي، وتحولت غرفتها بعد وفاتها إلى مقامها الآن، فتسمى هذه الغرفة مقام السيدة “زينب”، وتحول باقي القصر إلى مسجد السيدة “زينب” ـ رضي الله عنها ـ .
موقع المسجد وبنائه
ويعتبر جامع السيدة “زينب” من أهم المساجد في مصر، وكل من يزور القاهرة يتشوق إلى زيارته، فهو من أهم المزارات الإسلامية في مصر إلى جانب مسجد سيدنا “الحسين بن علي” رضي الله عنهما والمسجد الأزهر الشريف.
يقع جامع السيدة “زينب” في الميدان الذي يُعرف باسمها، وكان يُعرف قبل ذلك باسم “قنطرة السباع” نسبة إلى نقش السباع الموجودة على القنطرة، وفى عام 1315هـ – 1898م تم ردم الجزء الأوسط من الخليج فاختفت القناطر، ومع الردم تم توسيع الميدان، وعند عملية التوسيع اكتشفت واجهة جامع السيدة زينب الذي كان الوالي العثماني “على باشا” قد جدده عام 951هـ -1547م ثم أعاد تجديده الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1170هـ – 1768م، ومنذ اكتشاف واجهة الجامع في القرن التاسع عشر، أصبح يُطلق على الميدان بل والحي كله اسم “عقيلة بني هاشم”.
وقد أقامت وزارة الأوقاف عام 1940م المسجد الموجود حاليا، ويتكون من سبعة أورقة موازية للقبلة يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة، ويُقابل قبة ضريح السيدة زينب، ويتقدم المسجد من الواجهة الشمالية رحبتان يوجد يهما مدخلان رئيسان يفصل بينهما – مستطيل تعلوه (شُخشيخة)، وفى الطرف الشمالي الغربي يوجد مقام سيدي العتريس .
وقامت وزارة الأوقاف بعد ذلك بإضافة مساحة إلى المسجد الأصلي، وفى عام 1969م أضافت الوزارة مساحة ثانية مماثلة تماما للمسجد الأصلى وبنفس مساحته، بحيث أصبحت الإضافة الأولى تفصل بين المسجد الأصلي والتوسعة، لذلك فقد عمل في منتصف التجديد الأول محراب يتوسط الجديد، مع الإبقاء على المحراب القديم، ويقابل ضريح السيدة زينب في التجديد الثاني رحبة مماثلة للصحن مغطاة أيضا وفى الواجهة الغربية يوجد مدخلان أحدهما يتوسط الأول والثاني في التجديد الأخير.
اغترفت السيدة “زينب” من بحار علم أبيها، التي كانت فيضا من بحار جدها، فقد روى قول رسول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، “أنا مدينة العلم وعلى بابها”، فبذلك كانت عميقة الفهم في كلام الله والرسول والعرب، وكانت تشارك أخويها في البحوث العلمية العميقة التي كانت تجرى في بيان معاني أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم.
ويروي عنها ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فيقول : “حدثتني عقيلتنا “زينب بنت علي” ، ولهذا عُرفت بلقب “عقيلة بني هاشم”، وقال عنها الإمام “زين العابدين”: كانت “عالمة غير مُعلمة”، وفاهمة غير مفهمة، وذلك يدل على عظم تقواها، وحسن صلتها بربها، وكان الله عز وجل يفيض عليها وهو تعالى يقول في محكم آياته “واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم”
وقد كان هناك عدد من المؤمنين والمؤمنات يحفظون عنها ويروون للأم ما كانت تتحدث به، ومن هؤلاء “عبد الله بن عباس”و”عبد الله بن جعفر”و”فاطمة بنت الحسين” ، وغيرهم ممن فازوا بصحبتها وانتعوا بالغزير من علمها، وإدراكها الصحيح لحقائق الإيمان بالله ورسوله كان يتجلى فيما كانت تنظم أحيانا من أشعار حكيمة تجرى على لسانها فمن ذلك القول:
وكم لله من لطف خفي يدق خفاء عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر ففرج كربة القلب الشجي
ورثت السيدة “زينب” من أمها السيدة “فاطمة الزهراء” الرقة والحنان، ومن أبيها العلم والتقوى، وكان لها مجلس علمي تقصده جماعة من النساء اللواتي يردن التفقه في الدين.
توفت بعد عام واحد من قدومها إلي مصر يوم 14 رجب 62 هجرية، ودُفنت في بيت الوالي، الذي تحول إلي ضريح لها فيما بعد، رضي الله عن السيدة زينب وأرضاها، وصلى الله على جدها المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
مقال الأهرام عن ضريح السيدة زينب




