محمد كمال يكتب/ أبو التوّاه

محمد كمال يكتب/ أبو التوّاه..

    أسطورة ريفية أخرى، مثله مثل الندّاهة وأبو رجل مسلوخة، وربما مدنية أيضًا!

    كانت ليلة كئيبة، مرعبة أشد الرعب، يا ليتني لم أقعد معهم حينها. أصدقاء الندامة كما تسميهم دائمًا.. أمي.

    ليلة أول يوم امتحانات، ثانوي عام، وأسهر مع أصدقائي للثانية عشرة صباحًا!

    في بيت أحدنا، جلسنا نتسامر، ليل الشتاء طويل، وليل الريف أطول؛ حيث كهرباء تنفصل عن قريتنا كثيرًا ولأسباب نجهلها، وأمطار تغرق الشوارع الضيقة الرملية، وأشجار عبل هنا وهناك تعزف سيمفونية تخلع القلوب، وترعة، ومساحات زراعية، و…..

    ما يُطيّر العقل حقًا، أننا وفي ظروفنا هذه، لا نجلس إلّا ونحكي عن الأشباح والعفاريت، لكن حكاية تلك الليلة كانت معقولة بعض الشيء، أخبرنا صديقنا عمر عن “أبو التوّاه”..

 

     كيف يتجسد في صورة صديق أو أخ أو أي شخص مقرب منك، ويجيئك بعد منتصف الليل أو قبيل الفجر ويطلبك أن تخرج معه، وخصوصًا، حينما تكون قد ضربت موعدًا مع أحدهم، فيجيئك، الملعون، في صورته، ثم…

     لا أود حتى أن أتخيل!

     عدت إلى بيتنا، طبعًا كنت خائفًا من بقايا الحكاية التي علقت في ذهني فطلبت منهم أن يصحبوني إلى البيت.

     لم أدرِ كيف نمت ليلتها على الرغم من خوفي الشديد وقلقي، وبعد الفجر بقليل، سمعت صوته يناديني، صوت صاحبي عبدالرحمن، لكن لن تدخل عليّ هذه الحيلة، ولن أستجيب لك يا أبا التوّاه..

     انكمشت على نفسي تحت غطائي، وجاءت مني لفتة على شاشة هاتفي، كانت الساعة السادسة، لكن ما يزال بعض الظلام يلوّن الجو في الخارج، أراه من ثقب صغير جدًا في خشب النافذة.

     محمود… محمود… اصحا يا ابني هنتأخر على الامتحااااان.

    اذهب إلى الجحيم، لن أدعك تتوّهني.. ومن هنا سألت نفسي: هو بياخد الناس يعمل بيهم ايه؟!

    إنها السابعة، والامتحان في الثامنة، وصديقي عبدالرحمن، أو أبو التوّاه صوته بَح في الخارج من كثرة صياحه عليّ.

    جاءتني أمي توقظني وتنظر ماذا حل بي، وواربت النافذة قليلًا فرأيت الكثير من الناس في الشارع والشرفات، وكل الأنظار على نافذتي. فتحت النافذة ونظرت إلى عبدالرحمن، وجهه أحمر من البرد، صرخ: يا عم اخلص، لولا خايف عليك تسقط كنت مشيت وسبتك.

– غور في داهية يا ابو التوّاه.. انت مش عبدالرحمن. 

    قلت، وضحك الناس جميعًا، حتى أمي! وأحسست براحتهم، ومعظمهم يقول: ااااه. وفهمت أنهم فهموا سبب عدم خروجي.

     ضحك عبدالرحمن كثيرًا، وقال: هتطلع ولا أقول إنك بتحب جنى؟ يا بتاع جنى! وضحك أكثر..

     حُبست أنفاس الجميع، وساد صمت قاتل، كأن البلد كلها تنتظر جوابي.

     ارتعبت أكثر من رعبي من أبي التوّاه، وودت لو أخنق عبدالرحمن. ووجدتني فجأة أصرخ: يا ريتك كنت أبو التوّاه ومفضحتنيش كده يا ابن ال….

 

     أغلقت النافذة.. وأنا أسمع البلد كلها تضحك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى