نادية هارون تكتب: إسرائيل.. المعركة مع مصر بلا رصاص

إسرائيل تدرك تمامًا أن الدخول في مواجهة عسكرية شاملة مع مصر ليس خيارًا مطروحًا ولا مقامرة يمكن التفكير فيها، فالتاريخ والجغرافيا والإمكانات البشرية والعسكرية كلها تؤكد أن مصر بما تملكه من جيش صاحب عقيدة راسخة وموارد استراتيجية وموقع فريد، قادرة على قلب موازين أي حرب تقليدية، ولهذا السبب اختارت إسرائيل منذ سنوات طويلة أن تسلك طريقًا آخر، طريق الحروب غير المباشرة وحرب الاستنزاف الطويلة التي تستهدف الداخل أكثر مما تستهدف الجبهة العسكرية.

 

الهدف الأول لإسرائيل هو إنهاك الاقتصاد المصري عبر خلق حالة إستنفار دائم، سواء بمناوشات على الحدود أو تسريبات عن إستدعاء الاحتياط، بحيث يضطر الجيش المصري إلى تكثيف إستعداداته ويجري إنفاق متزايد على التسلح والتجهيز، _ يبدوا تعلموها من خطة السادات قبل حرب اكتوبر 73_ وهو ما يضغط على الموازنة ويؤثر على حياة المواطن، أما الهدف الثاني فيتمثل في إشعال الداخل عبر الأذرع القديمة والجديدة، فالإخوان ومن يدور في فلكهم لم ينقطعوا عن محاولات بث الفوضى، وقد انضمت إليهم جيوش إلكترونية تستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي لتصنيع الشائعات والصور والفيديوهات المزيفة، بحيث يعيش المواطن في حالة ارتباك دائم، فلا يثق في إعلامه ولا في دولته، ولا حتى في وعيه الشخصي.

 

وفي قلب هذه الاستراتيجية يبرز تعطيل مسار التنمية، فكل مشروع قومي تنجزه مصر يُقرأ في تل أبيب باعتباره تهديدًا لمستقبلها، وقوة اقتصادية مصرية ناهضة تعني تلقائيًا قوة عسكرية وسياسية أكبر، لذلك يأتي الرهان على ضرب الروح المعنوية وزرع الإحباط كي لا ينصرف الداخل إلى البناء، ويوازي ذلك إعادة تدوير ورقة الإرهاب، إذ كلما شعرت إسرائيل بأن مصر تتعافى أُعيد تحريك خلايا الإرهاب وتغذيتها بالمال أو بالسلاح أو بالتسهيلات اللوجستية، لتتشعب المواجهة بين حماية الحدود وتأمين الداخل وملاحقة الإرهاب.

 

أما الورقة الأخطر اليوم فهي ورقة غزة، لقد أقدمت إسرائيل على إخلاء مناطق كاملة من القطاع ودفع عشرات الآلاف من المدنيين نحو الجنوب باتجاه الحدود المصرية، هذه الخطوة ليست عشوائية، بل تهدف إلى صناعة مأزق استراتيجي بالغ التعقيد أمام القاهرة، فإذا إندست عناصر من حماس وسط الحشود وحاولت اختراق الحدود كما حدث عام 2006، ستجد مصر نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن تتصدى بالقوة وتتحمل كلفة الصدام مع المدنيين الغزيين وما يعنيه ذلك من صورة إعلامية مشوهة، أو أن تفتح الحدود تحت ضغط إنساني ودولي فتتحمل عبء مئات الآلاف وربما الملايين بما يشكله ذلك من ضغط اقتصادي وأمني واجتماعي، وما ينتج عنه من خطورة تحويل سيناء الى منطقة نزاع دائم يؤرق مصر للأبد، وفي الحالتين، تكون إسرائيل قد نجحت في تحويل الأنظار عن مسؤوليتها المباشرة عن مأساة غزة، وزجت بمصر في موقف صعب أمام شعبها وأمام العالم.

 

من خلال هذه الاستراتيجية المركبة يتضح أن إسرائيل لا تبحث عن حرب تقليدية تعرف نتائجها مسبقًا، وإنما عن صراع طويل بلا رصاص ينهك مصر اقتصاديًا ويستنزفها إجتماعيًا ويشغلها داخليًا حتى تسقط بيد نفسها، إدراك هذه الأبعاد هو الخطوة الأولى لمواجهة هذه الحرب الخفية، والحفاظ على التماسك الداخلي وإفشال محاولات التضليل والفتن هو السلاح الأهم في معركة الوعي التي تُدار اليوم على الحدود كما تُدار في العقول.

 

في النهاية أقول: في هذا الوقت الحرج، تزداد أهمية الالتفاف حول قيادتنا وجيشنا ودولتنا، فالمعارضة في زمن السلم أمر مشروع، أما في زمن الحروب والمؤامرات فإنها تتحول إلى ثغرة خطيرة تُستغل ضد الوطن، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولا مجال للمهاترات عندما يكون مصير الدولة على المحك، وأن أي تشكيك أو تشويش الآن ليس اختلاف رأي، بل خيانة صريحة، لأن بقاء مصر واستقرارها هو المعركة الحقيقية التي يجب أن نقف فيها جميعًا صفًا واحدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى