الدكـــروري يكتب: بدعة المولد بالقرن الرابع

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن إهتدى بهداهم إلى يوم الدين أما بعد فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، والتزموا سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإياكم والمحدثات فإنها تباعد بين العبد وربه، وتؤدي إلى ترك السنن، وهي من أسباب سوء الخاتمة، ثم أما بعد إن المطلع على كتب العلماء يجد أن بعضها أرخ لبدعة المولد بالقرن الرابع، وبعضها بالقرن السادس، وتوجيه ذلك أن أول إحداثها في مصر كان في القرن الرابع، ثم إنتقلت في القرن السادس أو أوائل السابع إلى العراق، إذ احتفل به الملك أبو سعيد كوكبري، وكان أول خروج العبيديين من المغرب في قبائل تجهل الإسلام.
إنخدعت بدعوة أبي عبدالله الشيعي، فناصره أهل المغرب حتى إستقر له الأمر، فكتب إلى رئيسه الباطني ليقدم إليه من الشام، فلما دخل المغرب تسمى بعبيدالله ولقب نفسه بالمهدي وإليه ينسب العبيديون، ويذكر العلماء أن اسمه سعيد وهو من ولد ميمون القداح الملحد المجوسي، وفور تمكنه بطش بداعيته والممكن له في المغرب أبي عبدالله الشيعي، قال أبو شامة المقدسي عن عبيدالله ” وعبيد هذا كان اسمه سعيد، فلما دخل المغرب تسمى بعبيدالله، وزعم أنه علوي فاطمي، وإدعى نسبا ليس بصحيح، لم يذكره أحد من مصنفي الأنساب العلوية، وترقت به الحال إلى أن ملك وتسمى بالمهدي، وبنى المهدية بالمغرب، ونسبت إليه، وكان زنديقا خبيثا عدوا للإسلام، متظاهرا بالتشيع، مستترا به، حريصا على إزالة الملة الإسلامية، قتل من الفقهاء والمحدثين والصالحين جماعة كثيرة.
وكان قصده إعدامهم من الوجود، لتبقى العالم كالبهائم، فيتمكن من إفساد عقائدهم وضلالتهم، والله متم نوره ولو كره الكافرون، ونشأت ذريته على ذلك منطوين، يجهرون به إذا أمكنتهم الفرصة وإلا أسروه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ردا على من إدعى العصمة فيهم ” فكيف تكون العصمة في ذرية “عبدالله بن ميمون القداح” مع شهرة النفاق والكذب والضلال” وعن نسبهم وإظهارهم الإيمان قال رحمه الله ” ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من شهد لهم لبني عبيد بالإيمان والتقوى، أو بصحة النسب، فقد شهد لهم بما لا يعلم، وقد قال الله تعالى ” ولا تقف ما ليس لك به علم ” وكما قال تعالى في سورة الزخرف ” إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ” وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم، ولا ثبوت إيمانهم وتقواهم، فإن غاية ما يزعمه أنهم كانوا يظهرون الإسلام والتزام شرائعه.
وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنا في الباطن، إذ قد عرف في المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق، وهؤلاء القوم من العبيديين يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فإذا قدر أن بعض الناس خالفهم في ذلك صار في إيمانهم نزاع مشهور، فالشاهد لهم بالإيمان شاهد لهم بما لا يعلمه، إذ ليس معه شيء يدل على إيمانهم مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم، وكذلك النسب، قد عُلم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، وهذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم، وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه.



