الوعـي المتهــم | مقال بقلم أحمد شـــادي
تأمل في ماهية الوعي بين الألم والنور .

لماذا أصبح الوعي متَّهَمًا، مسجونًا بين قضبان النفس التي تحتضنه وتكبّله في آنٍ واحد .. كثيرًا ما نسمع أشخاصًا يعانون، وحين نسألهم عن سبب معاناتهم يقولون : « لأننا أصبحنا أكثر وعيًا، وأكثر فهمًا، نرى بوضوح ما لا يراه الآخرون لكننا نعيش في مجتمعٍ فاقد الوعي، مجتمعٍ لا يفهم. » ثم يختمون بعبارتهم الشهيرة :« نعيم الجهل وجحيم الوعي » .. لكنني بصراحة لا أستطيع أن أستوعب كيف لإنسانٍ يمتلك الوعي أن يصف الجهل بالنعيم، والوعي بالجحيم! لابد إذن أن هناك مشكلة ما إما أن مفهوم الوعي لديهم مشوَّه ، أو أنهم يملكون وعيًا زائفًا أو غير مكتمل .
فرويد والوعي الناقص :
رأى “فرويد” أن الوعي ليس سوى سطحٍ لبحرٍ عميق من الرغبات والاحتياجات والصراعات، وسمّى ذلك العمق العقل اللاواعي ومن يتأمل هذا التعريف سيدرك أن المتحكم الحقيقي في الإنسان، بحسب هذا التصور، هو العمق لا السطح؛ فسطح البحر لا يمكن أن يكون أعمق من قاعه ومن هنا يظهر الوعي الناقص أو المزيف، الذي تتحكم فيه الرغبات والاحتياجات والصراعات الداخلية، فيبدو الوعي وكأنه متهم بما لم يفعل، بينما الحقيقة أن الخلل في تسيّده لا في وجوده .
ابن سينا والوعي النوراني
أما “ابن سينا” فقد رأى الوعي نورًا داخليًّا يتدرج من الحس إلى الإدراك العقلي، مرتبطًا بنقاء النفس واتصالها بالعقل الأعلى، أو ما يمكن تسميته بالعقل الواعي الكامل وهذا هو الوعي الحقيقي الوعي الذي يتصالح فيه العمق مع السطح، فتتحد الرغبات بالعقل، ويعم السلام النفسي، ويهدأ الصراع، ويصبح الإنسان سيد نفسه لا أسيرها بين الفهم والمعاناة ولعلّ ما يجعل البعض يربط بين الوعي والمعاناة، هو أن أول مراحل الوعي أشبه بفتح جرحٍ قديمٍ كان مغطّى بغلافٍ من الإنكار فالوعي لا يخلق الألم، بل يُزيل الغطاء عنه فقط وفي لحظة الانكشاف، يتوه الإنسان بين إدراك الحقيقة ومحاولة الهروب منها، فيشعر أن وعيه لعنة، بينما هو في الحقيقة بداية الشفاء فالألم ليس نهاية الطريق، بل أول علامات الخروج من الظلام إلى النور .
التأمل الختامي
الوعي ليس جحيمًا، بل مرآةٌ صادقةٌ تُريك حقيقتك، وإن كانت قاسية في بدايتها من يرى في وعيه ألمًا، فليعلم أن الألم ليس في النور، بل في العتمة التي انكشفت بسببه الوعي لا يُعاقبك، بل يُنقذك يُريك أين تُؤذي نفسك، وأين تختبئ خلف الزيف، وأين تضل الطريق عن حقيقتك تصالح مع وعيك لا تهرب منه واجعل إدراكك وسيلة شفاءٍ لا وسيلة عذاب فحين تحتضن وعيك، يُصبح السلام داخلك عادةً، لا لحظة عابرة ويغدو النور الذي بدا جحيمًا في البداية، جنةً من البصيرة في النهاية .






