آثار مصر المنهوبة… تاريخ يُباع في المزادات وضمير إنساني غائب بقلم / دلال ندا

آثار مصر المنهوبة… تاريخ يُباع في المزادات وضمير إنساني غائب
بقلم / دلال ندا
منذ فجر التاريخ، ومصر كانت وما زالت مهد الحضارة وكنز العالم الذي لا ينضب. غير أن هذا الكنز، الذي أدهش البشرية بروعته، تعرض على مدى القرون لنهب منظم وسرقة ممنهجة طالت آلاف القطع الأثرية التي خرجت من أرض الكنانة بطرق غير مشروعة، لتستقر اليوم في متاحف وقاعات عرض ومزادات عالمية، بينما لا يزال المصريون يطالبون بحقهم في استعادتها.
سرقات تمت باسم “الاكتشاف العلمي”
بدأت عمليات النهب منذ الحملة الفرنسية على مصر، حينما جمع علماء الحملة ما استطاعوا من آثار ونقوش، وخرجت معهم في طريق العودة إلى أوروبا. ثم جاء عهد البعثات الأجنبية خلال القرن التاسع عشر، حيث كانت القوانين تسمح بما يسمى بنظام “القسمة”، أي تقسيم المكتشفات الأثرية بين البعثة والدولة المصرية، وهو ما أدى إلى خروج مئات القطع النفيسة إلى الخارج بصورة “قانونية” في ظاهرها، لكنها في حقيقتها كانت سرقة لتراث أمة.
أبرز القطع المسروقة
من بين أشهر القطع المصرية التي استقرت خارج البلاد، رأس نفرتيتي المعروضة في متحف برلين، والتي خرجت من مصر عام 1912 بعد أن تم تهريبها بحيلة استخدمها عالم الآثار الألماني “لودفيغ بورشارت”.
كذلك حجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، وهو الأثر الذي ساهم في فك رموز اللغة الهيروغليفية، ولا تزال مصر تطالب باستعادته حتى اليوم.
كما توجد مئات المومياوات والتماثيل الذهبية والبرديات في متاحف فرنسا، وإيطاليا، وأمريكا، وبلجيكا، وسويسرا، بل وحتى في مجموعات خاصة لأثرياء العالم.
المزادات… سوق مفتوحة لبيع التاريخ
في السنوات الأخيرة، أصبحت دور المزادات العالمية كـ”سوذبيز” و”كريستيز” ساحة لبيع آثار مصرية نادرة بأسعار خيالية.
ورغم اعتراضات الحكومة المصرية ومخاطباتها الرسمية عبر وزارة السياحة والآثار، فإن بعض الدول ما زالت تتغاضى عن بيع هذه القطع، متذرعة بـ”عدم كفاية الأدلة القانونية” على ملكية مصر لها، في حين أن التاريخ نفسه يشهد لمن صنعها.
جهود مصر في الاسترداد
في المقابل، تبذل الدولة المصرية جهودًا دبلوماسية وقانونية مكثفة لاستعادة آثارها.
ففي السنوات الأخيرة، تمكنت مصر من استرداد آلاف القطع من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإنجلترا، بعد تعاون مشترك مع الإنتربول الدولي.
وتواصل وزارة الآثار إعداد ملفات موثقة بالصور والسجلات الأثرية لكل قطعة مسروقة، لإثبات ملكية مصر القانونية لها أمام المجتمع الدولي.
صوت من أرض الحضارة
إن معركة استعادة الآثار ليست مجرد قضية قانونية، بل قضية هوية وكرامة وطن.
فكل قطعة تعود إلى مصر، تعيد معها جزءًا من تاريخنا المسلوب وصوتًا من أجدادنا الذين شيّدوا أروع حضارة عرفتها البشرية.
ويبقى الأمل أن يأتي اليوم الذي تُغلق فيه ملفات النهب، وتعود كل قطعة أثرية إلى مكانها الطبيعي، إلى أرض مصر، حيث وُلدت الحضارة… ويجب أن تبقى.






