عبقرية الجنون أم جنون العبقرية ؟ د. شيرين شيحه

عبقرية الجنون أم جنون العبقرية ؟
د. شيرين شيحه
شعر شكسبير.. موسيقى موزار.. رسم دافينتشي.. أفكار اينشتاين.. روايات دوستويفسكي..
ألوان من العبقريات التي حفرت آثارها في التاريخ والوجدان الإنساني..
ولكن ما هي العبقرية ؟
هل العبقرية هي الخروج عن المألوف؟
إذن فما الفرق بينها وبين الجنون الذي هو خروج عن المألوف أيضا ؟
العبقري يرى ما لا يراه الناس، تخرج أفكاره ورؤاه دائما بالجديد والغريب وغير المألوف كأنها حجر أُلقي في مياه راكدة أو رعد ضرب سماء ليلة مظلمة..
العبقرية إدراك جديد للأشياء والأفكار.. إدراك خارجي للكون وادراك داخلي للنفوس ولكنه إدراك من نوع نادر تم توظيفه في بناء فكرة أو نظرية أو فنّ أو حلّ..
الجنون أيضا حالة من الخروج عن المألوف لكنها تتميز بعدم القدرة على تنظيم التدفق الهائل للأفكار والمشاعر..
وفي الحالين يتحقق نوع من الإدهاش؛
فالعبقري يُدهش بالعُمق،
والمجنون يُدهش بالغرابة
العبقري يقود أفكاره كما يقود فارس جواده،
المجنون يُساق خلف أفكاره كما يُساق تائه خلف سراب..
إذا ما نظرنا إلى العبقرية الروائية الأشهر (دوستويفسكي) كمثال نجد أنه قد جمع في شخصيته بين المبدع والمضطرب: سجينٌ سياسي، مريضٌ بالصرع.. عابرٌ للموت رميًا بالرصاص في لحظة نجاة نادرة ومستحيلة.. فقيرٌ دائم عاش مأساة زواجٍ وحبٍّ ومأساة فقد ابنته الوحيدة.. شخصية جمعت بين متناقضات :عقل وحكمة ورقة وموهبة جبارة.. إسراف حد السفه أحيانا ،حب للمقامرة والرضوخ لدَيْن كان سبب شقائه دائما وسبب غزارة إنتاجه أحيانًا لأنه كان يضطر للكتابة لسداد هذا الدين في فترات قياسية – وبالمناسبة كانت هذه الأعمال من أروع ما كتب رغم الضغط النفسي والزمني لكتابتها..
ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك الاضطراب الحياتي والشخصي وأقول النفسي أيضا ، كتب رواياته الأعظم: الجريمة والعقاب،الأبله، الاخوة كرامازوف وغيرها..
في هذه الأعمال يظهر الفرق الفلسفي بين العبقرية والجنون بوضوح؛
فدوستويفسكي الإنسان عاش في حياته الشخصية تجارب قاسية مع المرض والفقد تركت اثرا في تصرفاته التي بدت مضطربة أحيانا لمن حوله كما أنه عاش علاقات عاطفية متوترة أولها مع والده والذي أراه يظهر جليا في كثير من أعماله التي كانت تركز على الأب.. الأب في روايات دوستويفسكي الذي غالبًا ما يظهر كشخصية استبدادية أو ضعيفة أو متناقضة، مما يعكس تجاربه الشخصية مع والده الطبيب الذي كان له دور مهم في صغره..
لقد حلل النفس البشرية بما لا يقدر عليه علماء النفس
واستطاع السيطرة على فوضى مشاعره الداخلية وتحويلها إلى رؤية أدبية بما امتلكه من وعي التقط اضطراب نفسه وحوله إلى إبداع..
كتب من حافة الهاوية بين العقل والجنون ولكنه استطاع الحفاظ على توازنه ولم يسقط.
هنا يتجلى الفارق:
المجنون يعيش الفوضى،
والعبقري يتأملها ويكتبها..
العباقرة الحقيقيون لا يخافون الاقتراب من الجانب المظلم في النفس
المرض الذي أصابه لم يطمس وعيه، بل فتح له نافذة على طبقات الإنسان العميقة
دوستويفسكي كتب شخصيات مريضة، لكنه كان هو الطبيب والمحلّل الذي استطاع أن ينجو من المرض..
إن سرّ العبقرية لا يكمن فقط في الاقتراب من الجنون، ولكن في القدرة على العودة في كل مرة دون خسائر عقلية من ذلك الاقتراب.
دوستويفسكي وغيره من عباقرة الأدب هم الذين كتبوا من أماكن لا يجرؤ الآخرون على الاقتراب منها؛
حللوا الألم والمرض والانهيار، لكنهم لم يستسلموا لهم..
كانوا قادرين على الغوص في النفس البشرية حتى القاع، لكنهم كانوا يخرجون منها حاملين منجمًا من المعاني لا زالت وستظل البشرية تصوغ منه قلائد وتيجانا للحكمة.
د. شيرين شيحه






