تهاني ماتت قصة قصيرة بقلم: تهاني عدس

تهاني ماتت
قصة قصيرة
بقلم: تهاني عدس
في طفولتي، كنت أعشق السكر. في اليوم الموعود، وضعت حفنة منه في راحتي وبدأت ألعق كفي بلساني، لعقة تلو الأخرى كأنه حلوى عودية، حتى تبللت يدي باللعاب.
في هذه الأثناء، كانت جدتي، التي تجاوزت العقد العاشر من العمر، تجلس في بهو المنزل، تستمع إلى إذاعة القرآن الكريم عبر جهاز مسجل تضعه على أذنها.
كان سلك الجهاز موصولاً بمصدر الكهرباء المثبت بالحائط المقابل، ويتوسط السلك منطقة عارية. وبصفتي طفلة مشاغبة، أصررت على المرور من تحته.
ولألاقي مصيري، تركت طرفيه من الجهتين وأمسكت به بيدي المبللة من المنتصف تحديداً من الجزء العاري.
التف حول كفي وبدأت أتخبط بقوة على الأرض واتشنج بعنف من أثر الصعقة الكهربائية، حتى ازرق جسدي و اتسعت حدقة عيني وتلونت بلون الدم، وبدأت أحْتَضِر.
خرجت أمي من المطبخ مسرعة على صوت الارتطام، وعندما رأتني، تسمرت قدماها من هول الصدمة، وتخبطت ببعضها، وعجز عقلها عن التفكير. بدأت تهرول بعشوائية يميناً وشمالاً وهي تلطم خديها وتستغيث.
سمعها عمي حمزة، جارنا، فجاء يركض بأقصى سرعة. توجه مباشرة نحو مصدر الكهرباء وانتزع القابس بقوة. ارتعش جسدي عدة مرات كأنها رجفة سكرات الموت، ثم سكنت بلا حراك أو نفس.
التف حولي نساء الحي وهن متشحات بالسواد، ينوحن ويندبن، وفي لحظات انتشر الخبر في أرجاء القرية بأن: “تهاني ماتت.”
حضر جارنا الأستاذ أحمد ليواسي أهلي. جلس بجانبي يتفقد حالتي، ثم انتفض قائلاً: ما زالت تنبض!
حملتني أمي وهى تحتضنني وأسرعت بي إلى المستشفى، وتبعها الأستاذ أحمد ومجموعة من المتطوعين للإسعاف.
أما جدتي، التي ولدت صماء، كانت تجلس في الزاوية الأخرى والمسجل بيدها، غافلة عما يدور حولها.
في تلك اللحظة ذاتها، كانت خالتي أم محمد، جارتنا في المنزل المقابل، تصرخ وتستغيث من ألم المخاض. وبعد دقائق، وضعت مولودتها وقررت تسميتها ‘تهاني’ تخليدًا لاسمي بعد أن أشيع خبر وفاتي.
كبرت تهاني الصغيرة، أصبحت فتاة جميلة، طويلة القامة، بشوشة الوجه، هادئة الملامح، وحسنة الطباع. ثم تزوجت وأنجبت أربعة أطفال.
بعد سنوات طويلة من تلك الحادثة، تزوجت أنا أيضًا، وتركت الأهل والجيران والحي، وهاجرت مع زوجي.
قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تعذر الاتصال مع الوطن، وقلّ التواصل مع الأهل لارتفاع كلفة الاتصال الدولي في تلك الحقبة، كما تعذر السفر لزيارتهم لأسباب مختلفة. لكني كنت أذوب من شدة الحنين والشوق إليهم وجيراني وأصدقائي وأهل قريتي الصغيرة.
بعد عامين متواصلين، استطعت العودة لمدة محدودة. عند خروجي من المطار، توجهت مباشرة إلى بيت أهلي.
وأنا في طريقي إلى الباب، لمحْتُ جارتنا أم محمد من بعيد. شعرت وكأنها لا ترغب في الحديث إليّ وتتجنبني.
اتجهت نحوي بخطى بطيئة، بوجه شاحب، وعيون حزينة. ثم احتضنتني بفتور شديد وبصوت منخفض ومتقطع قالت: ‘حمدًا لله على سلامتك.’
حاولت أن أتجاهل إحساسي بأن شيئًا ما قد حدث، فسألتها: ‘كيف حالك خالتي أم محمد؟ وكيف حال تهاني؟’
بصوت مختنق والدموع تسيل من عينيها، أجابت: “‘تهاني ماتت!!!’
ماتت تهاني الصغيرة، وماتت أمي وجدتي، ومات المنقذ عمي حمزة والمسعف الأستاذ أحمد، وبقيت أنا هنا لأقص عليكم هذه القصة.
— تهاني عدس






