أخر الأخبار

الرحمة فوق القانون قصة قصيرة  بقلم: تهاني عدس

الرحمة فوق القانون

قصة قصيرة

بقلم: تهاني عدس

 

في إحدى ليالي الشتاء القارسة، قررت الطبيعة الصامتة أن تعبر عن نفسها بهدوء؛ بدأت الثلوج تتساقط كقصاصات ورقية بيضاء نقية، تحمل كل واحدة منها رسالة شفافة من السماء، لا يفك شفرتها إلا المتأمل في عظمة الخالق وقدرته.

 

أرغم البرد القارس الجميع على ملازمة بيوتهم، غير أنه أبى، ولم يبالِ، تمامًا كشجرة الأرز التي رفضت الانصياع لأوامر الشتاء، وتمسكت بأوراقها خضراء زاهية، رافضة التخلي عنها.

 

وفي لحظة صفاء، وبعد يوم طويل، وقف عمر وحيدًا أمام منزله المتواضع، متأملًا هذا المشهد الفني المتقن، وكأنه يحاول فهم مغزى الرسالة التي يحملها الثلج، وهو مشهد لم يعتد عليه قط في بلده ذي الطبيعة الحارة.

 

نظر بدهشة إلى طبقة الجليد التي غطت سطح الأرض كبساط ممدود ناصع البياض، يشع منها ضوء يماثل نور القمر، مخترقًا عتمة الليل. أما السماء فكانت سوداء مرصعة بنجوم بيضاء، يتوسطها القمر كدائرة هندسية مرسومة بإتقان. أشارت إليها شجرة الأرز الأسطوانية الشكل، التي ثبتت قاعدتها في الأرض وقمّتها مدببة متجهة نحو السماء.

 

في خضم هذا السكون، دوّى إنذار هاتفه معلنًا أن تساقط الجليد الكثيف وتراكمه سيجعل الحركة المرورية شبه مستحيلة، وأن الطرق أصبحت خطرة، وعليه، يجب على الجميع البقاء في منازلهم حتى الصباح.

 

امتثل عمر وانسحب إلى الداخل ليجلس أمام المدفأة، مستمتعًا بدفئها وهو يحتسي مشروبًا دافئًا ليقاوم البرد.

 

وفي تلك اللحظة، بدأ هاتفه يرن دون توقف؛ كان جاره جاك، الذي يسكن مع زوجته سارة على بعد مئتي متر. لقد اختاروا السكن في ذلك الحي النائي الهادئ هدوء القبور.

 

استغرب عمر وشعر بالقلق، لأنه لم يعتد أن يتلقى اتصالاً من جاك في وقت متأخر، فساوره شعور بأن هناك أمراً طارئاً. أجاب فوراً ليجد جاك يتحدث وهو يلهث، ويخبره أنه في رحلة عمل بمدينة بعيدة، وأن سارة بدأت المخاض وتحتاج إلى نقلها إلى المستشفى حالاً، وإلا تعرضت حياتها وحياة جنينها للخطر.

 

أوضح جاك أنه اتصل بسيارة الإسعاف لكنها تعثرت بسبب سوء الأحوال الجوية. في تلك اللحظة، تذكر عمر الآية الكريمة من سورة المائدة: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”. فكان عليه أن يهرع دون تردد لإنقاذ روحين، هما سارة وجنينها.

 

هرول بأقصى سرعة ممكنة نحو سيارته متجهاً إلى بيت جاك. كان صراخ سارة من ألم الطلق يثير القلق. عندما دخل، رأى بطانية سميكة ملقاة على الأريكة، فخطفها وغطى بها سارة من رأسها حتى قدميها لحمايتها من البرد. حملها إلى السيارة وأجلسها في المقعد الخلفي، لتبدأ رحلة التوجه إلى المستشفى.

 

بدا الطريق موحشاً: لا علامات، لا سيارات، ولا بشر. فقط، آثار تتركها عجلات السيارة كما لو كانت تسير في عمق بحر من الثلوج. كلما تعثرت العجلات وانغرست، نزل عمر وحفر حولها ليحررها، ثم واصل السير.

 

كان هدفه الوحيد هو الوصول إلى المستشفى بأسرع وقت ممكن مهما كلف الأمر. كلما صرخت سارة، اقشعر جسده واضطرب، ولم يلتزم بقواعد المرور.

وأخيراً، وصلوا إلى الباب بعد عناء. صرخ عمر بأعلى صوته: “ساعدونا أرجوكم!”.

 

توجه إليه العاملون بقسم الطوارئ بكرسي متحرك، وأخذوا سارة إلى غرفة العمليات. ثم عاد عمر إلى بيته، وهو يحمد الله أنه استطاع إنقاذ روحين كانتا على شفير الخطر.لكن ما حدث له لاحقًا لم يكن في الحسبان وتركه في ذهول تام.

 

تلقى اتصالًا هذه المرة من قسم الشرطة. أفاد الضابط بأن شخصًا ما اتصل بالقسم وأبلغهم أن عمر خالف قواعد المرور وتجاوز ثلاث إشارات متتالية، وهو ما يعد مخالفة للقانون ويعرض الأرواح للخطر.

 

كانت العقوبة تتمثل في خصم عدد كبير من النقاط قد يؤدي إلى فقدان رخصة القيادة، بالإضافة إلى غرامة قدرها ألف دولار. حاول عمر شرح دوافعه، لكن الضابط أصر على حضوره إلى المحكمة للفصل في المخالفة.

 

في الموعد المحدد، حضر عمر إلى قاعة المحكمة. نادى الحاجب اسمه، فتقدم أمام القاضي مرتجفًا، داعيًا الله أن يسنده.

 

روى للقاضي تفاصيل القصة وشرح دوافعه بصدق تام. نظر القاضي إلى الحضور قائلًا: “لو كان بيدي لألغيت الغرامة والنقاط معًا؛ فالرحمة يجب أن تعلو على القانون، لكن القانون لا يعترف بحسن النوايا بل بالأفعال. لذلك قررنا أن…”، ثم صمت فجأة عندما قدم له الحاجب رسالة من أحد الحاضرين.

 

نظر القاضي إلى عمر وقال: “الشخص الذي أبلغ عنك قرر دفع الغرامة بدلًا عنك، وقررنا نحن إلغاء جميع النقاط نظرًا لأنها المرة الأولى التي تخالف فيها القانون”.

سأل عمر: “هل يمكنني معرفة هوية هذا الشخص؟”. أجاب القاضي: “إنه السيدة سارة، جارتك″

——————

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى