هل حقاً افتقدوك من خواطر الكاتبة والأدبية تهاني عدس
Tona

خاطرة بعنوان: هل حقاً افتقدوك؟
بقلم: تهاني عدس
إنهم لا يفتقدونك أنت،
بل يفتقدون حبك الذي لم يجدوا له مثيلاً عند غيرك؛ يفتقدون الطريقة التي كنت تجعلهم يشعرون من خلالها بأنهم الأهم والأولوية في هذا العالم، وكيف كنت تغني عنهم عن كل الناس. يفتقدون حضورك الدائم في لحظات ضعفهم، وتعاطفك اللامحدود، واهتمامك المستمر، وجهدك وصبرك وأنت تخوض معركة صامتة لتوفير الأمان والاحتواء غير المشروط لهم.
هم لا يشتاقون إليك حقًا!
بل يشتاقون إلى الدفء الذي كنت تمدّهم به في كل مرة كنت تحتضن فيها أرواحهم المرتجفة من برودة الأيام. يشتاقون إلى بساطتك وعفويتك بعد أن جرّبوا القرب ممن يجيدون التصنّع والتزييف. يشتاقون إلى صفاء نيتك، ووضوحك، وشفافيتك المطلقة، وتجاوزك عن الزلات وغض الطرف عن أخطائهم، بعد أن أرهقهم الآخرون بالمكر والخداع وخيانة العهد.
كنت بالنسبة لهم ملجأً يهربون إليه من الحزن وكل ما يثقل أرواحهم. بابتسامة واحدة منك، كنت تعيد لقلوبهم الصفاء والسلام.
في المقابل، كان القليل من الاهتمام منهم يكفيك لتنعم بأقصى درجات السعادة، لكنهم منحوا كل الاهتمام لغيرك وحرموك منه.
لم يتوقعوا انسحابك؛ كان انسحابًا هادئًا كحضورك، فروحك ناعمة كالحرير. لم ينتبهوا إليها وهي تتمزق بينهم كمرور الحرير فوق كومة من الأشواك. انتبهوا فقط عندما ارتعشت أرواحهم من البرد ولم يجدوا الدفء، بحثوا عنك في كل الوجوه فلم يجدوا سوى غيابك.
الحقيقة الصادمة هي أنهم لم يحبوا شخصك، بل أحبوا ما تقدمه لهم. لم يفتقدوا وجودك، بل افتقدوا ما كنت تفعله لأجلهم.
انسحابك لم يكن انتقامًا، بل كان درسًا بأن بعض الأرواح تُمنح مرة واحدة في العمر؛ وروحك لم تُخلق للاستبدال، بل لتبقى للذكرى.






