عندما يهان الكبار بقلم سامي المصري..

عندما يهان الكبار
بقلم سامي المصري..
ليس سقوط المجتمعات فجأة، ولا يعلن عن نفسه بصوت مرتفع، بل يبدأ بهدوء مخيف حين يفقد الكبير مكانته، ويهان من كان يوما قدوة ورمزا ومعنى.
عندما يهان الكبار، نكون أمام جريمة أخلاقية مكتملة الأركان، لا ضحيتها فرد، بل وطن كامل يفقد بوصلته وقيمه وذاكرته.
المعلم لم يكن موظفا يؤدي عملا مقابل أجر، بل كان رسالة تمشي على قدمين.
هو الذي حمل الطباشير كما يحمل الجندي سلاحه، وبنى العقول قبل أن تبنى الجدران. حين يرفع طالب صوته في وجه معلمه، أو تمتد يد بالضرب إلى معلمة، فنحن لا نشهد واقعة فردية، بل نشهد اغتيالا لهيبة العلم.
المعلم هو من علم الطبيب كيف يعالج، والمهندس كيف يبني، والقاضي كيف يحكم، والفنان كيف يبدع. إهانته تعني أن المجتمع قرر أن يهين نفسه بيده.
الفنان الحقيقي ليس مجرد ممثل على شاشة، بل شاهد على العصر ومرآة للمجتمع.
محمد صبحي لم يكن مجرد فنان، بل معلم وناقد ومثقف حمل هم الوطن على خشبة المسرح. مرفت امين لم تكن وجها جميلا فقط، بل نموذجا للمرأة المصرية الراقية في ادائها وحضورها.
نيللي لم تكن استعراضا عابرا، بل بهجة اجيال وملامح طفولة عاشت في وجدان الملايين. حين يهان هؤلاء، يهان تاريخ كامل من الابداع، ويقتل الوفاء في نفوس الناس.
الرجل المسن ليس جسدا ضعيفا، بل ذاكرة تمشي بيننا. في تجاعيد وجهه حكايات تعب، وفي صمته دروس لم تكتب في الكتب. التطاول عليه، او السخرية منه، او ضربه، جريمة لا يغفرها الزمن.
من بلغ من العمر ارذله يستحق الرحمة والاحترام، لا القسوة والاستهانة. اهانة كبار السن تعني اننا نكفر بفضل الزمن، وننكر فضل من سبقونا.
الاب والام كانا وما زالا عمود البيت وملجأ الروح.
الاب الذي افنى عمره ليؤمن حياة كريمة لابنائه، والام التي سهرت الليالي وربت وضحت، لا يستحقان سوى التقدير والبر والطاعة.
حين يرفع الابن صوته في وجه ابيه، او تهان الام بكلمة جارحة، فهذه ليست حرية ولا جرأة، بل سقوط اخلاقي مدو. الاسرة هي المدرسة الاولى، واذا كسرت هيبة الاب والام، فلن تقوم قائمة لقيم بعد ذلك.
الشباب هم طاقة الوطن ومستقبله، لكن الطاقة حين تفقد التوجيه تتحول الى دمار. تطاول بعض الشباب في عمر الزهور على كبارهم، وضرب المعلم، والاعتداء على الرجل المسن، ليس قوة ولا شجاعة، بل فراغ داخلي وغضب بلا وعي.
الشباب لم يولدوا منحرفين، بل تركوا بلا قدوة، وبلا احتواء، وبلا خطاب اخلاقي صادق.
ضياع القيم والمبادئ لم يأت من فراغ، بل جاء مع غياب التربية داخل البيوت، ومع مدرسة فقدت دورها التربوي واكتفت بالمناهج، ومع اعلام يلمع الرداءة ويصنع نجوما من الفراغ، ومع منصات تواصل حولت الاساءة الى بطولة، ومع صمت مجتمعي طويل عن الخطأ حتى صار الخطأ هو القاعدة.
ضرب المعلم والمعلمة، والاعتداء على الرجل الكبير في العمر، ليس مجرد سلوك منحرف، بل جرح عميق في جسد الوطن. هذه الافعال تحتاج الى ردع قانوني حاسم، والى موقف مجتمعي صارم يعيد الاعتبار للمعلم، ويحمي كبار السن، ويؤكد ان الاحترام خط احمر لا يقبل المساومة.
عندما يهان الكبار، تضيع الخبرة، وينقطع التواصل بين الاجيال، ويتحول المجتمع الى جسد بلا روح. احترام الكبير ليس تخلفا، بل رقي، وليس خوفا، بل وعي حضاري. من لا يحترم معلمه، ولا يقدر فنان وطنه، ولا يرحم شيخه، ولا يبر والديه، لا يمكن ان يبني مستقبلا ولا ان يحمي وطنا.
هذه ليست كلمات عابرة، بل صرخة ضمير. اما ان نعيد للكبار مكانتهم، او نستعد لدفع ثمن قاس لا يرحم.






