أخر الأخبار

(… ولا الكاتب بنزاهة قلمه)  د..شيرين شيحه 

(… ولا الكاتب بنزاهة قلمه)

د..شيرين شيحه

شرف المرأة في عفّتها.. شرف الرجل في كلمته.. أما شرف الكاتب ففي قلمه..

القلم الذي أقسم الله سبحانه به في قوله تعالى:

“ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”

وحين أقسم الله سبحانه بالقلم، لم يكن القلم المقصود محصورًا في قصبةٍ أو مداد، بل كان رمزًا لكل وسيلة تُخرج ما بداخل الإنسان من أفكار ومشاعر إلى الوجود الإنساني.

القلم هو الأداة الموصلة أو الفاصلة بين الجهل والمعرفة.. بين النسيان والذاكرة..

 

ولأن القلم وحده مجرد أداة محايدة فإن قيمته أو فضله أوقداسته تكمن فيما “يُسطَر به” ،

ولذلك

فالآية لم تُقدّس الأداة فقط، بل جعلتها أمانة تقع مسؤوليتها على “الكاتب” حامل هذه الأمانة..

لقد تغيرت وسائل وأدوات الكتابة على مر الزمن فانتقلنا من شكل القلم التقليدي إلى لوحات الحروف والشاشات الرقمية ومع ذلك

بقيت القداسة للمعنى.. للنص المكتوب.. وإن تغيّرت وسيلة التدوين..

الكتابة عمل مجهد وشاق لمن يعرف هذا المعنى، ويحاول تحقيق تلك القداسة والحفاظ عليها؛

فالكاتب صاحب القلم الشريف لا يتعمّد الكذب وتزييف الواقع أو الوعي

ولا يستخدم الكلمة لإيذاء أبرياء أو لتلميع باطل،

الكاتب الشريف قد يخطئ لأنه ليس ملاكا ولا معصوما، وقد يسقط لأنه لايملك عزم الأنبياء

ولكن يكفيه من شرف المحاولة انه

لم يكن انتهازيًا ولا متاجرًا بالقيم،ولا مزوّرًا للوعي..

كان إنسانا

يحاول أن يكون صادقًا لا أكثر..

حتى لو اضطرته الظروف أن يواجه العالم بأكمله في سبيل ما يؤمن به.. أو أن يتحمل الفقر والجوع والحرمان في سبيل الوفاء بعهد المبدأ والقيمة والشرف..

بعض الكتّاب كتبوا عن حياة “الكاتب” ومعاناته الإنسانية والوجودية ، فنجد :

رواية (الجوع) التي ألفها الكاتب النرويجي كنوت همسون الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، والتي صدرت عام 1890م.تدور أحداثها عن روائي شاب مثقف مشرد يتجول في شوارع العاصمة النرويجية كريستيانا (أوسلو حاليًا) بحثًا عن لقمة عيش، تتسم شخصيته بالمثالية والتضحية.. يمنح ماله وثيابه للفقراء، يرفض أحيانًا الأكل لأنه مجاني برغم حاجته الشديدة إليه، ويسلم نفسه للشرطة مختارا بسبب سرقة بسيطة.. يصل به الجوع حد عض إصبعه والتهام قلمه الثمين . يعيش معاناة وجودية بين الأمل واليأس، وبين الكبرياء والذل، في محاولة للحفاظ على إنسانيته..

 

رواية (مارتن إيدن) للكاتب الأمريكي جاك لندن نُشرت عام 1909.

مارتن بحّار فقير شاب حلم أن يصبح كاتبا مشهورا.. رُفض طويلًا،جاع كثيرا ثم نجح فجأة، لكن المفارقة أن الشهرة جاءته بعد أن فقد إيمانه بالمجتمع وبنفسه.. فقد تمسكه بالحياة بعد أن رآها نوعا من العبث واستسلم لليأس ،فانتحر بالمعنيين المعنوي والمادي..

 

التاريخ الأدبي والفكري مليء بأمثلة واقعية لكتّاب دفعوا ثمن شرف الكلمة معاناةً وحريةً وأمنًا ونفيًا وسجنًا وربما موتًا. هؤلاء لم يكونوا معصومين، لكنهم كانوا أوفياء لقداسة الكلمة وأمانتها.. لشرف القلم وشرف صاحبه..

لم يكونوا أنبياء ولا قديسين،

بل لم يكونوا متشابهين حتى في الأفكار،

لكنهم اشتركوا في شيء واحد:

انهم لم يسمحوا لأحد أن يساومهم على ما يحملونه من أمانة مقابل السلامة حتى ولو كانت سلامتهم الشخصية..

لم يكتبوا ما يطلبه الأقوى لأن شرف الكلمة عندهم لم يكن شعارًا..

أصروا على الكلام حين اختارت السلطة أو اختار المجتمع أن يُسكت أقلامهم الشريفة..

لم يكونوا أبطالاً من ورق، بل كانوا أبطالا على الورق وفي الواقع..

ويبقى معنى الشرف واحدا في كل مكان وزمان ومجال لا يتجزأ ولا يُقسّم ولا يُصنف لنوع أو لجنس من البشر دون الآخر إلا بحسب الأولوية بالنسبة إليه ..

ف “لا تأكل الحرة بثدييها”.. ولا الرجل بالغدر بمبادئه وكلمته.. ولا الكاتب بنزاهة قلمه..

د. شيرين شيحه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى