“دافوس العلماء”.. محاضرة عن “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم” في معرض الكتاب

ألقى الكاتب الصحفي بالأهرام الدكتور محمد حسين أبوالحسن، محاضرة عن المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم “دافوس العلماء”، وذلك اليوم الخميس في معرض الكتاب، قاعة 3 -b48.
وقال الدكتور أبو الحسن في المحاضرة: ضاعت أمم كثيرة في جبّ الزمان؛ لأنها حجبت العقل وحاربته بالاستبداد والتكفير، ونزلت بالنصوص سيوفا على الواقع، دون نظر كافٍ؛ يتوضأ بعضهم بالدم ولا يعرف كيف يؤدي صلاة الجماعة، قاد الفهم الخاطئ أو الجزئي لمقاصد الشريعة إلى شرور وفساد في الأرض، اقترفت جماعات الإسلام السياسي آثام العنف، تحت راية الحفاظ على الدين، وإن أدى ذلك لهلاك الأنفس والأموال والأوطان، بات الإرهاب بضاعة مزجاة يعاد تدويرها وتصديرها، في ظل صدمات جيوسياسية متلاحقة.
وهذا برهان على أن الفكر الإسلامي الحديث يعيش حالة نكوص؛ كان همه النهوض، مع الطهطاوي والأفغاني وعبده، فصار همه الأول الهوية، منذ البنا وسيد قطب وعمر عبدالرحمن، فكر منقسم بين “سلفيتين نصوصيتين”، الأولى سلفية نصوصية تتعبد بظواهر نصوص لا قداسة لها؛ لأنها “فكر” المفكرين وليست دينا ولا وحيا سماويا، وهي “تسعى إلى هدف مستحيل: أن تصب حاضرنا ومستقبلنا في قوالب السلف وتجاربهم، معاندة قوانين التطور التي هي إحدى سنن الله في الكون. والثانية سلفية نصوصية تتعبد– هي الأخرى- بظواهر نصوص لم يبدعها سلفنا، وإنما أبدعها مفكرو الحضارة الغربية، وتسعى إلى هدف مستحيل، أن تصب حاضرنا ومستقبلنا في قوالب الغرب وتجاربه؛ معاندة قانون التمايز الحضاري والخصوصية القومية”.
وأضاف الدكتور أبو الحسن: “صحيح أن الغرب يريد لنا غير ما نريده لأنفسنا، نريد الحداثة، وهو يريد لنا التحديث، نريد الاستقلال، وهو يجبرنا على التبعية، لكن المجتمعات العربية والإسلامية لا تعي أسباب تخلّفها، لذلك تظل قضية “النهضة” الهم الأول والأخير للشعوب العربية والإسلامية؛ وإصلاح الخلل في المجتمعات الإفريقية لازما؛ أما الإفاقة والمعرفة والنهوض فهي مرهونة بعقد مصالحة بين قيم الإسلام والحداثة والانفتاح على العالم. الدين ليس عامل تأخر، بل رافعة تقدم.
أمام هذا الواقع، يعمل العلامة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء، رئيس منتدى أبوظبي للسلم على إزالة الفجوة المتوهمة بين الإسلام والعالم، مع تجديد أصول الدين ومبادئه، لسلام الأمة ونهضتها.
يجمع العلامة بن بيه بين نظرة الفيلسوف المفكر ومنطقه، وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره، وطابع العالم الاجتماعي الدقيق الذي تلتقي بساحته معارف الأصالة والمعاصرة. تشكّل اطروحاته عتبة مفصلية فى الفكر العربي الإسلامي الحديث؛ استنادا إلى الشريعة نفسها؛ عبر تأصيل فقه السلم، والجهاد لنشره بين جميع البشر، ودعوته الساطعة عالميا، إلى شن الحرب على الحرب؛ ضد ركام هائل من الأفكار التخريبية والسلوكيات الدامية؛ لتكون النتيجة “سلما على سلم”.
ويمثّل “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم” أحد تجليات فكر هذا الإمام المستنير، بدعم فاعل من دولة الإمارات، باعتباره أحد فروع “منتدى أبوظبي للسلم”، كما يحظى بمساندة الدولة الموريتانية على مستوى القمة؛ فصارالملتقى بمثابة “دافوس العلماء” الإفريقي. منذ إعلان نواكشوط التاريخي عام 2020، منصة للشراكة المثمرة والحوار النافع، بين صناع القرار وعلماء الدين والنخب المجتمعية بجميع حساسياتها، والمنظمات الإقليمية والدولية، يجلسون على طاولته لاستقصاء طرق مواجهة الحروب والأزمات التي تفتك بالبشرية وتعزيز السلم العالمي وتقوية مناعة المجتمعات الإفريقية.
وقال أبو الحسن: ” يدرك مجدد الإسلام في القرن الحادي والعشرين العلامة بن بيه الطابع المركب لأسباب مشكلات الدول الإفريقية راهنا؛ لذا يفتح نوافذ الأمل لتغيير هذا الواقع؛ يردد: إن جلسات الحكمة تحت شجرة الدوم/ الباوباب الإفريقية؛ لتدبير الاختلاف بين المزارعين والرعاة جسدت نموذجا حضاريا؛ لتحكيم العقل ومنطق المصلحة والأخوة على منطق المغالبة والقوة، وهي تفعيل لمبدأ الصلح الإسلامي الذي وضع له الإسلام فقها كاملا؛ لحل النزاعات بالوسائل السلمية العاقلة. بيت القصيد أن السلام العادل جماع الأعمال التي تؤدي للخير وقنطرة الأخلاق والتعاون على البر والتقوى لا الإثم والعدوان.
أدواره
تكمن القيمة المضافة للمنتدى الإفريقي في تنوع إدواره فكريا وسياسيا وحضاريا، من خلال بناء رؤى معرفية ودينية وسياسية ناضجة، تسهم في إيجاد حلول لمشكلات المجتمعات الإفريقية ودفع عجلة التقدم.
يقوم المنتدى بدور تنويري، عبر “تصحيح المفاهيم المغلوطة”، والتي تمثل حجر الزاوية في فكر العلامة بن بيه؛ لتنجلي حقيقة الإسلام دين الرحمة والعدل والموعظة الحسنة، لا الإكراه والقتال والقتل، فالقهر لا ينتج إيمانا، بل نفاقا؛ على سبيل المثال باتت “إشكالية الجهاد” إحدى علامات الربط الجائر بين الإسلام والعنف، لدي شعوب الأرض؛ برغم أن غالبية المسلمين أبرياء من اجتراح العنف، لكن شرذمة من الحركات المتطرفة اختطفت الدين، حرّفت مفاهيمه وأخطرها “الجهاد”؛ كفرت المجتمعات وشنت الحروب وارتكبت أبشع الآثام. أما “الآخر” فلم يكن- في أحيان كثيرة- مسالما؛ تعرض العرب والمسلمون لحملات كراهية وعدوان عسكري وحصار اقتصادي وإخضاع سياسي، وإلصقت تهمة “الإرهاب” بالإسلام، في سابقة بالتاريخ، أن يُتهم دين بـ”الإرهاب”!.
لذا تحاول ثلة من العلماء والمفكرين ضبط المفاهيم؛ لقطع الطريق على مروجي التكفير والعنف، ومن أبرزهم العلّامة بن بيه الذي يشدد على أن “الجهاد في سبيل الله”؛ ليس مرادفا للقتال، فليس كل جهاد قتالا، وليس كل قتال جهادا؛ الجهاد في أصله “وسيلة للسلم”؛ اسم جامع لكل القربات إلى الله: بر الوالدين، إعمار المساجد، عمارة الأرض، مساعدة الضعفاء، الدفاع عن الوطن، وهكذا. هذا هو (الجهاد الأكبر) في الإسلام، إنه شجرة جذعها الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لتوصيل حقيقة العقيدةإلى العقول، دون إكراه أو استعلاء؛ “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، أما (الجهاد القتالي) فلم
شرع إلا للدفاع عن النفس والدين والوطن.
وأضاف أبو الحسن:
كما يلعب المنتدى دورا تنظيميا بوصفه منبرا بالغ الأهمية بالنسبة لعلماء إفريقيا ونخبها، في ظل الأزمات المزمنة والمستجدة في بلدان القارة، ساحة فكرية يلتقي فيها علماء وباحثون ومسئولون من العيار الثقيل تحت سقف واحد؛ لتبادل الأفكار والخبرات، وإنتاج معارف جديدة دون حواجز، بوعي وبصيرة، ما يتيح فتح خطوط التواصل والتفاهم والتعاون والمشاركة الإيجابية، تجاه مختلف القضايا، ما يجعل الملتقى مدرسة فكرية لإثراء الخبرات المعرفية وزحزحة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتتبدى سلامة التخطيط ودقته في اختيار المشاركين والأوراق البحثية وتقديم جائزة السلام إلى أحد الزعماء الأفارقة؛ تحفيزا لمزيد من العطاء من أجل شعوبهم. ينهض الملتقى بدور إنساني- ثقافي حضاري إن إفريقيا بكل إمكاناتها وثرواتها الهائلة ومآسيها التي لا تنتهي تحتاج إلى جهود مكثفة للارتقاء بوعي الأجيال، خدمة لمجتمعاتها واستقرارها.
هنا توضيح ضروري: إن الدين ليس عامل تأخر، بل رافعة تقدم، شريطة تجنب الفهم المغلوط لأحكامه، هذا “الفهم المغلوط” ليس وحده، إنما تتضافر معه أسباب سياسية واقتصادية وثقافية لصبّ الواقع في قوالب التخلف. ومن ثمّ يتبنى الملتقى الإفريقي مهمة إعادة بناء العلوم والمعارف، بوصفها شرط النهوض الحضاري، متحريا تجديد الركائز الأساسية للفكر الإسلامي، بعيدا عن التأويلات المغلوطة؛ بما يُسهم في تقدُّم الدول.
إن هذا التجديد ضرورة داخلية، لا إملاء خارجيا. وفي تأكيد أهمِّيّة التجديد في السِّياق الإسلامي، لن نجد نصًّا أكثر عُمقًا من قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهذه الأُمَّة على رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لها دِينَهَا”. وهنا تبرز المكانة السامقة لرؤى الإمام المجدد بن بيه، والتي جعلت الملتقى الإفريقي ساحة بحثية لمختلف القضايا؛ تكتسب أهمية استثنائية؛ إنه “دافوس العلماء” بإفريقيا، مثلت دورات المنتدى الأربع الماضية بالإضافة إلى “اللقاء التشاوري حول الأزمة السودانية تجسيدا لمرامي الإسلام ومقاصد شريعته السمحاء؛ يضع الملتقى عينه على خدمة الشعوب الإفريقية لا أجندات الدول الكبرى تجاه القارة السمراء.
وحمل المؤتمر الأول للمنتدى شعار “دور الاسلام في إفريقيا: التسامح والاعتدال ضد التطرف والاقتتال”، ثم أعقبته النسخة الثانية بشعار”بذل السلام للعالم”، ما أبرز استجابة حصيفة من القائمين على الملتقى للتحديات في إفريقيا، وأصبح عقلاء القارة يعولون على المؤتمر الإفريقي في بذل السلام للعالم وتجفيف منابع التطرف وملء الفراغ الذي تشغله الجماعات الإرهابية، بزعم الدفاع عن الإسلام بقصد استغلال الدين للوصول للسلطة.
وقد تأكد الأمر في النسخة الثالثة من المنتدى الذي جاء تحت شعار “ادخلوا في السلم كافة”؛ بغية إطفاء الحرائق المشتعلة في القارة، عرض المشاركون طيفا من القضايا التي تؤرق المجتمعات الإفريقية وتشتت انتباهها عن المستقبل، وطرحوا حلولا غير تقليدية لأزماتها المعقدة؛ وتنشيط الطاقات الكامنة لدى شعوبها؛ بالتوعية بقيم الشريعة، قيم السلام والخير والتعايش بالتواصل مع النخب والجماهير؛ حماية للدولة الوطنية من التمزق.
وقد تم تدشين (حلف الفضول الإفريقي)، استلهاما لدعوة العلامة بن بيه، من قبل، بإقامة (حلف الفضول الجديد)، وهو ينبع من فهم راقِ لطبيعة الدعوة في الإسلام وعالميتها. يتجاوز المبدأ المحايد لحقوق الإنسان، ليرتقي إلى إيجابية قيم الفضيلة والمحبة والأخوة والرأفة والرحمة والإيثار والتضامن، ومساعدة المحتاج من الفقراء، وغايته حسن التعايش بين البشر في ظلّ سلام لا يحميه السلاح، لكن تحميه الأخلاق واحترام الكرامة الإنسانية.
ولذلك خصص الملتقى دورة استثنائية بعنوان “اللقاء التشاوري حول السودان”، في تعامل سريع مع الأزمة في أرض النيلين، بحثا عن كلمة سواء بين الفرقاء، هذا العام قفز الملتقى الإفريقي قفزة نوعية؛ عقد دورته الرابعة، بعنوان: “التعليم العتيق في إفريقيا، العلم والسلم”، حتى يستعيد التعليم العتيق دوره كاملا محضنا للعلم وحاضنا للسلم، التعليم العتيق يحوي منظومة القيم ويحمي المجتمع من التفكك ويدفعه للارتقاء، ويحفظ الهوية أمام سيول التغريب الجارفة والعولمة الشرسة.
أتاح المؤتمر نافذة لتأهيل الأجيال الجديدة وفتح قنوات التواصل مع العصر وكسب رهانات المستقبل، بامتلاك القدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بعد تسييجه بالضوابط والأخلاقيات، مثلما تحدث الدكتور المحفوظ بن بيه الأمين العام لمنتدى أبوظبي للسلم، لتكون تلك هي المرة الأولى عالميا التي يجري فيها توظيف التعليم لخدمة قيم السلم و”عناق الحضارات”، بتعبير الشيخ المحفوظ في منتدى دافوس مؤخرا.
ذات يوم مرّ فيلسوف تمجيد القوة فرديدريك نيتشه برجل يضرب حصانا بالسوط، حتى سالت دماؤه، جرى نيتشه وطوق رقبة الحصان المتألم، صارخا: “أنا أفهمك”، ثم بكى بكاء هستيريا، قبل أن يقع على الأرض فاقدا الوعي، ولما أفاق اعتزل العالم أحد عشر عاما، حتى توفي، العجيب أن نيتشه “عدو الضعفاء”، كان عطفه على حصان سببا في انهياره واعتزاله!.
ليس غريبا إذن أن يحذر نيتشه من خطورة “مرض الحضارات”، مبينا أنها تمرض وأطباءها الفلاسفة، وهو الرأي الذي اتفق معه العلامة بن بيه لكنه اختلف معه في أن أطباء الحضارة اليوم هم العلماء والمفكرون، بهم يتم القضاء على أمراض الكراهية والصراع وإراقة الدماء المتفشية بكل القارات، في ظل دعاوى الصدام الحضاري والأزمات الإقليمية والعالمية واستعار الإسلاموفوبيا وصعود اليمين المتطرف شرقا وغربا، تغدو القيم الإنسانية أحيانا أرجوحة مستباحة، يركبها كل بهلوان من أجل الاستقطاب والصدام.
أوضاع شائكة تؤرق أصحاب الضمائر الحية، يحاولون التصدي لمخاطرها المتربصة بالعالم، يرفع الشيخ بن بيه لواء الأمل، داعيا حكماء الشرق والغرب لعلاج أمراض الحضارة الحالية، بدواء الحكمة وترشيد مواقف أصحاب القرار في العالم؛ لإنقاذ البشرية من التردي في هوة الفوضى، وتجنب آثار سوء التفاهم والصدام.






