فن التخلي و التجلي .. بقلم/ الزهرة العناق

في دهاليز الحياة، حيث تتعانق النهايات بالبدايات، يبرز فن نادر لا يجيده إلا من تعلم فن الرقص مع الحياة بخفة الحكيم و صبر العارف.
إنه فن التخلي والتجلي. بين أن تهجر ما لا يليق بروحك، وأن تتجلَّى بحقيقتك دون رتوش زائفة، يكمن سر الاتزان في مسيرة الإنسان.
فن التخلي هو لغة القلب المتحرر من شوائب الدنيا.التخلي ليس انكسارا ولا انهزاما، بل هو إدراك ناضج بأن التشبت بما يبهت روحك مجافاة لنداء السكينة. هو أن تخلع أثواب التعلق المهترئة، أن تتخفف من الأحمال التي تثقل خطواتك، أن تقول للألم: شكرًا لما علمتني، والآن أودعك بلا رجعة.
أن تتخلى هو أن تحسن الإصغاء لصوت الحياة حين تهمس لك: “ليس كل ما تفقده خسارة، ولا كل ما تبقي عليه مكسبا”، فكم من قيود تزين بالذهب، وكم من غيوم تحجب ضوء الشمس رغم فتنتها.
حين تتعلم فن التخلي، تصبح كالنهر، يعرف وجهته، لا يتوقف عند صخرة ولا يعبأ بورقة جرفها التيار.
أما التجلي فهو انبثاق النور من العمق
التجلي هو أن تتفتح روحك كنور الفجر، أن ترتقي فوق الضجيج، أن تصبح مرآة نقية تعكس حقيقة ذاتك. هو أن تتجلى بعد التخلي كمن خرج من شرنقته، يزهو بجناحين لم يكن يدري أنهما له منذ البدء.
التجلي لا يحدث إلا بعد مخاض، بعد أن تنظف روحك من شوائب الخوف و الشك، بعد أن تتيقن أن الحياة ليست مجرد امتلاك، بل سمو فوق كل ما لا يشبهك. هو أن تدرك أنك لست بحاجة لأن تتخفى خلف الأقنعة، لأن ضياءك يكمن في أصالتك.
أخيرا وليس آخرا، لا شيء يعادل حرية من تخلى عما أوجعه، فتجلى بما يضيئه.من أدرك سر التخلي، أبحر في معارج السكينة، ومن تجلى بذاته الحقيقية، استضاءت دروبه بنور اليقين. هكذا هي الحياة، دعوة مستمرة للسمو، لمن يحسن الإصغاء لها



