احمد الحسيني يكتب: الباقي من الزمن على الروبوت-الإنسان

يتساءل كثيرون اليوم: كم من الوقت يفصلنا حتى يصل الــ “روبوت-الإنسان” — أي نظام روبوتي قادر على أداء معظم المهام البشرية بكفاءة مشابهة أو تتجاوز الإنسان؟ تكشف استطلاعات الرأي وأوراق البحث الحديثة عن تقديرات متباينة، لكن مشترَكَها الأمل بقدوم هذا العصر خلال العقود المقبلة.
أولاً، من منظور المجتمَع، أشارت دراسة أجرتها Brookings Institution عام 2018 إلى أن نحو 52٪ من مستخدمي الإنترنت الأميركيين يتوقعون أن الروبوتات ستؤدي “معظم أنشطة البشر” خلال الثلاثين سنة القادمة. (Brookings) هذه النتيجة تعكس تصورًا واسعًا بأن التطور التقني قد يجعل الروبوتات منافساً حقيقياً للبشر في المهام العامة بحلول منتصف القرن.
ثانيًا، من منظور الخبراء، يكشف تحليل كبير أُجري عام 2024 على نحو 2,778 باحثاً في الذكاء الاصطناعي أن هناك فرصة تبلغ 50 ٪ بأن تتجاوز الآلات البشر في “كلّ مهمة تقريبًا” بحلول عام 2047، أما بنسبة احتمال 10 ٪ فالتوقع هو بحلول 2027. (AI Impacts) يُشير هذا إلى أن بعض الخبراء يتوقعون تحوّلاً سريعاً، لكن أيضًا يعترفون بوجود قدر كبير من عدم اليقين والتحديات.
ثالثًا، تحليل أقدم يعود إلى عام 2019 لخبراء الذكاء الاصطناعي يُوضّح أن “الذكاء الآلي العام” (AGI) — أي قدرة الآلة على أداء جميع المهام البشرية — قد يأتي في منتصف القرن، مع معدل متوسط تقريبي لسنة 2061 كمحور لتوقعات نصف الخبراء. (jair.org)
إذًا، ما الذي نستخلصه من هذه التقديرات؟
• هناك تفاوت بين توقعات المجتمع العام (30-40 سنة) وتوقعات الباحثين (50-60 سنة أو أكثر).
• التقديرات المبكرة (10 ٪ احتمال) تشير إلى إمكانية حدوث تحول سريع نحو 2027–2030، لكن ذلك يُعد سيناريو تطلّعي.
• السيناريو الأكثر احتمالاً (50 ٪) يشير إلى منتصف القرن (2040-2060) كفترة محتملة للوصل إلى “روبوت-الإنسان”.
لماذا هذا التباين؟
• لأن التحديات تقنية: ليس الأمر مجرد تحسين الذكاء البرمجي، بل أيضاً الروبوتات تحتاج لحواسّ متطورة، حركة دقيقة، تفاعل اجتماعي، فهم سياق يعادل الإنسان.
• لأن التحديات اقتصادية واجتماعية: البنية التحتية، التنظيم، الأمان، الأخلاق، التبني المجتمعي جميعها عوامل تؤثّر في مدى سرعة الانتقال.
• لأن مسار التطور ليس خطيًا: بعض مهام الروبوتات تُحقّق قفزات مفاجئة، والبعض الآخر — خاصة المهام المُستقلة في بيئات غير منظمة — يتحرّك ببطء أكبر.
إذاً، كم من الزمن “باقٍ”؟ يُمكن تلخيصه على النحو التالي:
• إذا سارت الأمور بسرعة مثالية، قد نرى روبوتات تنافس البشر في عدد كبير من المهام بحلول 2030-2035.
• على الأرجح، الوصول إلى أداء بشر-شامل تقريباً يُرجّح أن يكون بالفعل بين 2040 و2060.
• في بعض السيناريوهات المحافظة أو المعتمدة على تباطؤ التقنيات، قد يمتد الزمن إلى ما بعد 2060، وربما إلى أواخر القرن.
الخاتمة
إن المسافة الزمنية المتبقّية لتحقيق “روبوت-الإنسان” تبقى كبيرة لكنها ليست بعيدة كما قد يظن البعض. ومع ذلك، يجب أن نتذكّر أن هذه التقديرات ليست وعودًا صارمة، بل استشرافات تحتمل التعديل والتغيير. إذ إن التقدّم العلمي لا يسير دائماً بخط مستقيم، والتحديات التقنية والتنظيمية قد تؤخّر أو تسرّع هذا التحوّل. في نهاية المطاف، ما يبدو مؤكّداً هو أن روبوتات المستقبل — إن لم تصل إلى كل قدرات الإنسان — فستقترب منها بصورة لم نعش مثلها من قبل، ما يجعل السنوات القادمة محورية في “آلية التغيير” التي تشكّل العلاقة بين الإنسان والآلة.






