دموع على باب القطار بقلم سامي المصري.. عازف الكلمات

دموع على باب القطار
بقلم سامي المصري.. عازف الكلمات
لم يكن باب القطار مجرد باب
كان حدًّا فاصلًا بين عالمين
عالمٍ تركته خلفي مكسورًا
وعالمٍ لا أعرف إن كان ينتظرني أم يفرّ مني
كانت تقف هناك
عند الباب الأخير
كأنها خُلقت لتودّع
لا لتبقى
عيناها
لم تكونا تبكيان
لكن الدموع كانت حاضرة
معلّقة على الرموش
تخشى السقوط
كما كنتُ أخشى الرحيل
قلتُ لها
لا تبكي
فالقطارات تعود
لكنني كنت أكذب
لأن بعض القطارات
إذا غادرت
لا تعود أبدًا
الناس من حولنا
حقائب
أصوات
صفير
عجلات تتحرك
وحدنا كنا خارج المشهد
كأن الزمن احترم وجعنا
فتوقّف
مددتُ يدي
فلمستُ يدها
لمسةً قصيرة
كأنها تخاف أن تطيل الوجع
لكنها كانت كافية
لتشعل عمري كله
قالت بصوتٍ مكسور
لو تأخرت دقيقة
كنت سأقنعك بالبقاء
ابتسمتُ بحزن
وقلت
ولو بقيتُ
لكنّا خسرنا الحلم
على باب القطار
سقطت أول دمعة
لم تكن دمعتها
كانت دمعة العمر
دمعة كل ما لم يُقال
وكل ما كان يجب أن يحدث
ولم يحدث
صعدتُ
والباب بيننا
ليس خشبًا ولا حديدًا
بل قدرًا
ثقيلًا
قاسيًا
لا يفتح إلا مرة
نظرتُ إليها من خلف الزجاج
كانت أصغر
أضعف
أجمل
كأن الفراق
يزيد العشاق جمالًا
ليعذّب من يرحل
تحرّك القطار
وتحرّك قلبي معه
لكن روحي
بقيت هناك
عند قدميها
على الرصيف
رأيتها ترفع يدها
لم تلوّح
كانت تودّع بصمت
والصمت أصدق
حين تعجز الكلمات
اختفت
كما تختفي الأحلام
عندما نصحو فجأة
وبقيت أنا
أحمل حقيبة
وامتلئ بفقد
مرت الأيام
والقطارات
والمحطات
لكن كل باب قطار
كان يعيدني إليها
إلى دمعتها
إلى تلك اللحظة
التي تعلّمت فيها
أن بعض الحب
لا يُكتب له الاستمرار
بل الخلود
فهمتُ بعدها
أن أجمل القصص
لا تنتهي بزفاف
بل بندبة
تعيش في القلب
وتجعله إنسانيًا أكثر
وإلى اليوم
كلما سمعت صفير قطار
أغمض عيني
وأراها
واقفة هناك
تبكي بصمت
وتعلّمني
أن الدموع
حين تسقط على باب القطار
تتحول
إلى تاريخ
لا يُنسى.. إلي ذكريات لا تموت






