مقابر الصحابة في بهنسا.. البقيع الثاني الذي يروي فتح مصر بدم الشهداء بقلم سامي المصري

مقابر الصحابة في بهنسا.. البقيع الثاني الذي يروي فتح مصر بدم الشهداء
بقلم سامي المصري
في قلب صعيد مصر، وعلى أطراف محافظة المنيا، ترقد بهنسا لا كقرية عادية على خارطة الجغرافيا، بل كصفحة مفتوحة من كتاب التاريخ الإسلامي، صفحة كُتبت بدماء الصحابة والتابعين، وحُفظت في الذاكرة الشعبية باسمٍ يليق بمكانتها: البقيع الثاني.
بهنسا.. حين نزل التاريخ إلى الأرض
لم تكن بهنسا محطة عابرة في مسار الفتح الإسلامي لمصر، بل كانت ساحة فاصلة من ساحات المواجهة الكبرى، إبّان دخول الإسلام إلى أرض الكنانة في القرن الأول الهجري، ضمن حملات فتح الصعيد بعد فتح حصن بابليون.
هنا، دارت معارك ضارية، سقط فيها عشرات من خيرة صحابة رسول الله ﷺ ومن التابعين، فاختلط تراب الأرض بدمائهم، وتحولت بهنسا إلى مقبرة مفتوحة للشهادة، لا تزال تشهد على تلك اللحظة الفارقة.
مقابر الصحابة.. ذاكرة الشهادة
تضم منطقة بهنسا عددًا كبيرًا من مقابر الصحابة والتابعين، حتى صارت تُعرف تاريخيًا وشعبيًا باسم بقيع مصر، تشبيهًا ببقيع الغرقد في المدينة المنورة.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن من بين المدفونين في بهنسا صحابة شاركوا في الفتوحات الإسلامية الأولى، واستشهدوا في معارك تثبيت دعائم الإسلام في الصعيد، ومنهم رجال حملوا راية العقيدة، وتركوا أوطانهم، وجاؤوا إلى مصر مجاهدين، فكانت بهنسا آخر عهودهم بالدنيا.
ولا تُعرف أسماء جميع المدفونين على وجه الدقة، لكن الثابت تاريخيًا أن الأرض احتضنت عددًا كبيرًا من الصحابة والتابعين، وهو ما أكسب المكان قدسيته ومهابته، وجعل زيارته مرتبطة بالخشوع لا بالفرجة.
البقيع الثاني.. مكانة روحية وتاريخية
ليست مقابر بهنسا مجرد شواهد حجرية، بل هي سجل مفتوح لتاريخ الفتح، ودليل حي على أن الإسلام دخل مصر بسواعد الرجال المؤمنين، لا بالسيف وحده.
وقد ذكر عدد من المؤرخين والرحالة هذا الموضع، مؤكدين أن بهنسا كانت من أكثر مناطق مصر احتواءً لقبور الصحابة خارج الحجاز، وهو ما يضعها في مرتبة خاصة بين المواقع
الإسلامية الأثرية.
بين الإهمال والواجب التاريخي
ورغم هذه القيمة الدينية والتاريخية الكبرى، لا تزال مقابر الصحابة في بهنسا تعاني من ضعف التعريف الإعلامي، وقلة التوثيق الرسمي، وغياب المشروع المتكامل للحفاظ عليها كأحد أهم معالم التراث الإسلامي في مصر.
إن بهنسا لا تحتاج إلى تزيين بقدر ما تحتاج إلى اعتراف، ولا تطلب ضجيجًا بقدر ما تستحق توثيقًا يليق بالشهادة، ويعيد إدراجها على خريطة الوعي الوطني والديني.
كلمة أخيرة
مقابر الصحابة في بهنسا ليست أطلالًا صامتة، بل أصواتٌ خافتة تنادي من عمق الزمن
هنا مرّ الصحابة
هنا سقط الشهداء
هنا كُتبت صفحة من تاريخ مصر والإسلام بدمٍ طاهر
وستظل بهنسا، مهما طال الإهمال، شاهدًا خالدًا على أن أرض مصر لم تكن يومًا بعيدة عن قلب الرسالة.






