مدعكة. رواية، توقظ ما حاولنا تجاهله و دقٌّ لنواقيس الغفلة للكاتب عبدالرحمن بركات

مدعكة رواية توقظ ما حاولنا تجاهله ودقٌّ لنواقيس الغفلة
مقال تحليلى:
بقلم الصحفية / رقيه فريد.
ليست كل الروايات حكايات
بعضها صفعة.
وبعضها مرآة نُجبر على النظر فيها.
وايضًا بعضها مثل «مدعكة» للكاتب “عبد الرحمن بركات” وبصرخةٌ مكتوبة بمداد الألم، فلا تُقرأ بعينٍ عابرة، بل تُستشعر بروحٍ مستعدة للمواجهة.
منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه لا يدخل عالماً روائياً تقليدياً، بل يعبر إلى مساحة مكشوفة من الوجع الإنساني؛ حيث يُسحق الفرد بين مطرقة الواقع وسندان الأفكار المنحرفة، وحيث يتحول القهر من ظرفٍ عابر إلى حالةٍ وجودية كاملة.

«مدعكة» ليست عنوانًا فحسب، بل توصيفٌ دقيق لحالة الإنسان حين يُدعك نفسيًا، وفكريًا، واجتماعيًا حتى تتشقق روحه. إنها نصٌّ يطرق أبواب المسكوت عنه، ويكشف ما يجري في العتمة، ويعيد طرح السؤال الأخطر:
كيف يُصنع التشوّه؟ ومن المسؤول عن طحن البراءة الأولى داخل الإنسان؟
في هذه الرواية، لا يهادن الكاتب، ولا يجمّل الواقع، بل يضعه أمامنا عاريًا، بكل تناقضاته، بقسوته، وبأسئلته التي لا تبحث عن إجابات سهلة، بل عن يقظة.
في عالمٍ يضجّ بالأصوات، تبقى بعض الصرخات أصدق من الضجيج.
ومن بين تلك الأصوات ترتفع «مدعكة» للكاتب عبدالرحمن بركات” حين تتحول الرواية إلى مواجهة
في الجزء الثاني من «مدعكة»، لا نكون أمام سردٍ تقليدي، بل أمام حالة إنسانية تتجدد حرارتها كلما ظننا أن الرماد قد برد.
يكتب بركات وكأنه لا يمسك قلمًا، بل يمسك جمرًا؛
ينبش الذاكرة، يعرّي القهر، ويضع القارئ وجهًا لوجه أمام سؤالٍ لا مهرب منه:
ماذا يفعل الضغط المستمر بالإنسان؟ ومتى يتحول الكبت إلى تشوّه؟
من خلال “صرخة الأخرس”، تلك المناجاة المشبعة بالألم، نلمس روحًا محبوسة لا خلف قضبانٍ مادية، بل داخل قهريتها الخاصة.
وهنا تتجلّى عبقرية الكاتب؛ فهو لا يكتفي بوصف السجن، بل يجعلك تشعر بضيق جدرانه من الداخل.
جرأة الطرح، وصدق المواجهة
«مدعكة» ليست رواية تهادن الواقع أو تجمّله، بل تقدّمه كما هو:
مؤلمًا، مرتبكًا، متناقضًا.

يمزج عبدالرحمن بركات بين:
الواقعية القاسية
السخرية السوداء
التحليل النفسي العميق
والطرح الاجتماعي الجريء
فيصوغ نصًا يضع إصبعه على جراحٍ مسكوتٍ عنها، خاصة حين يغوص في عالم التيارات والأفكار، ويكشف كيف يمكن أن يُدعك الإنسان فكريًا ونفسيًا حتى يفقد ملامحه الأولى.
الرواية لا تهاجم الدين، بل تدافع عن جوهره النقي، في مواجهة من يلوون عنقه لخدمة أهوائهم.
وهنا تتضح رؤية الكاتب المثقف، الحاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية، ودبلوم الشريعة الإسلامية، وتمهيدي ماجستير في اللغة العربية؛ وهي خلفية علمية تنعكس بوضوح في عمق الطرح ودقته.
أسلوب يوجع، لكنه ضروري
ما يميز الكاتب بركات:
لغة مباشرة لكنها كثيفة الدلالة
سرد نفسي نافذ
حوار واقعي جدًا
مشاهد صادمة تخدم الفكرة لا الإثارة
هو لا يكتب ليُرضي القارئ، بل ليوقظه.
ولا يطرح الأسئلة ليتباهى بها، بل ليُحمّلنا مسؤولية الإجابة.
مدعكة تضعك داخل عقل الشخصية لا أمامها
تجعلك تكشف القهر الاجتماعي . تناقش الفقر، الاغتراب، انهيار القيم، والصراع الداخلي.
كلمة تقدير
إلى الكاتب المبدع عبدالرحمن بركات.
شكرًا لأنك اخترت أن تكتب بصدق، لا بمجاملة.
شكرًا لأنك واجهت المسكوت عنه، ولم تختبئ خلف عباراتٍ مطمئنة.
وشكرًا لأن «مدعكة» لم تكن مجرد حكاية، بل كانت جرس إنذار، ومرآة، وصرخة.
أقدّم هذا العمل لجمهوره الكريم بكل تقدير، لأنه يستحق قارئًا شجاعًا كما أن كاتبه كان شجاعًا في كتابته.
«مدعكة» ليست نصًا يُقرأ،
بل تجربة تُدعك في أعماقك
ثم تتركك مختلفًا.
تحياتي لحضرتك 🙏🏻



