كتب / عمر صابر

عندما يجرح الصاحب صاحبه

 

 

 

 

 

عندما يجرح الصاحب صاحبه: آلام المعاملة بالأسلوب الغلط

 

من أقسى ما يمكن أن يمر به الإنسان في علاقاته، أن يكون صاحبه هو ذاته مصدر الألم. أن تجد من تثق به وتأتمنه على أسرارك، هو نفسه من يتعامل معك بأسلوب يدميك دون أن يشعر، أو ربما يشعر ولا يبالي. إنها معضلة العلاقات الإنسانية: كيف لشخص نحبه أن يكون سبباً في تعاستنا؟ وكيف لصاحب نتوقع منه السند والعون، أن نجد في تعامله معنا جفاء وقسوة؟

 

الأسلوب الغلط من الصاحب ليس مجرد خطأ عابر، بل هو جرح غائر في جدار الثقة. حين تتعامل مع صديق بطريقة خاطئة، فأنت لا تخسر مجرد محادثة أو موقف، بل تهدم سنوات من المشاعر الطيبة التي بنيتماها معاً. وكما يقال: “العلاقات كالبيوت الزجاجية، تحتاج إلى لمسة حانية، فقسوة الأسلوب كفيلة بتحطيمها في لحظة”.

 

لنتأمل معاً بعض الصور المؤلمة لهذا الأسلوب الغلط بين الأصحاب:

 

صاحب النقد الدائم: تراه لا يفوت فرصة إلا وينتقد فيها صاحبه. إن لبست ثوباً جديداً، وجد في لونه عيباً. إن تحدثت عن حلم أو طموح، سارع إلى تثبيط همتك. إن أخطأت في موقف، جعلك تشعر أنك أسوأ إنسان على وجه الأرض. يتناسى أن الصداقة قائمة على القبول والعيوب، وأن النقد الهدّام سم زعاف يقتل المشاعر الجميلة. هذا النوع من الأصحاب يلبس ثوب الناصح الأمين، لكنه في الحقيقة يحط من قدرك ليشعر هو بأهميته.

 

صاحب التعالي: ذلك الذي يتعامل مع صاحبه وكأنه في منزلة أعلى. يستمع لكلامه بفتور، ويقاطعه في حديثه، ويقلل من شأن آرائه. تراه في المجلس يرفع صوته عليه، أو يسخر من أفكاره أمام الآخرين. هذا الصاحب ينسى أن الصداقة اسم على مسمى، وأن الصاحب هو المساوي في المقام والمكانة، لا السيد على خادم.

 

صاحب التجاهل: لا يؤذيك بالكلام الجارح، لكنه يؤذيك بالصمت المؤلم. تجده يمر عليك في الطريق ولا يلقي السلام، يقرأ رسائلك ولا يرد، يعلم بحاجتك إليه فيتغافل. هذا الصاحب يجيد لعبة “أنت لست مهماً”، فيجعل وجودك عنده عدم، وحضورك كالغياب. وألم الإهمال أحياناً أشد من ألم الكلمات القاسية.

 

صاحب المزاج المتقلب: الذي تتعامل معه على بيّنة من أمره. تجده يوماً قريباً ودوداً، وفي اليوم التالي بعيداً جافاً. لا تعرف كيف تتعامل معه، فكلماته تختلف باختلاف مزاجه، ووعوده لا تلبث أن تتبدد مع أول نوبة غضب. العيش مع هذا النوع من الأصحاب كالعيش على حافة بركان، لا تدري متى يثور ويحرق كل شيء حوله.

 

صاحب التوبيخ على الماضي: الذي لا ينسى لك خطأ قديماً، ولا يتناسى زلة بعيدة. كلما حدث بينكما خلاف، استحضر أخطاءك السابقة وجعلك تعيشها وكأنها حدثت اليوم. يظن أن التذكير بالأخطاء وسيلة للضغط والسيطرة، متناسياً أن الصداقة تقوم على الصفح والتسامح، وأن الإنسان ليس ملاكاً ولا ينبغي له أن يُحاسب كالمجرم.

 

هذه الأنماط وغيرها تترك في النفس أثراً عميقاً. فالإنسان الذي يتعامل مع صاحبه بأسلوب خاطئ، لا يدرك أنه بذلك يخسر كنزاً ثميناً. قد تمر السنوات ويدرك قيمة من خسر، لكن فوات الأوان يكون قد كتب نهايته.

 

ما يزيد الطين بلّة، أن الصاحب المسيء غالباً لا يشعر بخطئه. يعيش في قوقعة ذاته، يرى نفسه دائماً على صواب، ومن حوله هم المخطئون. حتى إذا نبهه صاحبه إلى أسلوبه الجارح، قابل ذلك بالاستنكار والدفاع عن النفس، أو ربما اتهم الآخر بالحساسية المفرطة. إنه لا يدرك أن المشاعر الإنسانية ليست ترفاً، وأن الكلمة الطيبة صدقة، وأثرها في النفس كأثر الماء على الأرض اليابسة.

 

فكيف يتصرف من يعاني من صاحب يتعامل معه بهذا الأسلوب الغلط؟

 

أولاً: المواجهة الهادئة. ربما يكون صاحبك لا يدرك حجم الألم الذي يسببه لك. بعض الناس لا يفقهون لغة المشاعر، ويحتاجون إلى من يترجم لهم ما في القلوب. واجهه بلطف، وأخبره أن أسلوبه يؤذيك، دون أن تتهجم عليه أو تتهمه. قل له: “عندما تفعل كذا، أشعر بكذا”، فهذه الصيغة أقل اتهاماً وأقرب للفهم.

 

ثانياً: وضع الحدود. لكل إنسان حد في تحمل الأذى. إذا تكرر الأسلوب الجارح، فعليك أن تضع حدوداً واضحة. لست مضطراً لقبول كل ما يقال، ولا مجبراً على البقاء في علاقة تستنزف طاقتك. الصداقة الحقيقية لا تعني القبول بالذل أو الإهانة.

 

ثالثاً: إعادة تقييم العلاقة. ليس كل من نسميهم أصدقاء يستحقون هذا اللقب. الصداقة علاقة تكافلية، تأخذ وتعطي، تساند وتدعم. إذا كانت علاقتك مع هذا الشخص تقوم على الأخذ فقط، وهو يأخذ راحته في إيذائك دون مراعاة لمشاعرك، فعليك أن تسأل نفسك: هل يستحق البقاء في حياتك؟

 

وأخيراً: الحفاظ على النفس. مهما كانت الصداقة عزيزة، فأنت أغلى. لا تسمح لأحد، حتى أقرب الناس إليك، أن يسلبك سلامك الداخلي أو يهز ثقتك بنفسك. إذا كان هذا الصاحب عاجزاً عن تقديرك، فتقديرك لذاتك هو ما يبقى.

 

إن العلاقات الإنسانية مرآة تعكس أخلاقنا وتصرفاتنا. فلنحرص على أن نكون أصحاباً بأسلوب جميل، نتعامل مع من نحب بالرفق واللين، ونحفظ لهم مكانتهم في قلوبنا. فكما تدين تدان، وكما تزرع تحصد. وإن أردت صاحباً وفيّاً، كن أنت ذلك الصاحب أولاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى