المرأة تقود عصر الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي

أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان

كتبت / أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان

لم يعد السؤال اليوم: هل تستطيع المرأة أن تواكب عصر الذكاء الاصطناعي؟ بل تغير تمامًا ليصبح تساؤلا حول: كيف تقوده، وبأي رؤية إنسانية تعيد تشكيل ملامحه؟ فالعالم الذي تُعاد صياغته عبر الخوارزميات لم يعد يحتمل عقلًا أحاديًا أو منظورًا تقنيًا باردًا، بل يحتاج إلى حسٍّ مركب يجمع بين الدقة والحدس، بين التحليل والخيال، بين القدرة على البناء والوعي بأثر ما يُبنى. وهنا تحديدًا، تبرز المرأة لا كعنصر مشارك، بل كقوة قيادية تعيد تعريف الابتكار ذاته.

إن دخول المرأة إلى فضاء الذكاء الاصطناعي لم يكن مجرد إضافة رقمية إلى سوق العمل، بل كان تحولًا نوعيًا في طبيعة هذا المجال. فالعالِمة فاي-فاي لي(Fei_Fei Li) لم تغيّر فقط مسار البحث في الرؤية الحاسوبية عبر مشروع ImageNet، بل أسست لفكرة أن تعليم الآلة لا ينفصل عن فهم العالم بصريًا كما يراه الإنسان. وكذلك فعلت سينثيا بريزيل(Cynthia Breazeal) حين دفعت بالروبوتات إلى فضاء التفاعل الإنساني، لتصبح الآلة قادرة على “الإحساس” بسياق الإنسان، لا مجرد تنفيذ أوامره.

إن ما يميز حضور المرأة في هذا المجال _في اعتقادي_ليس فقط الإسهام التقني، بل القدرة على مساءلة هذا الإسهام نفسه. فقد كشفت تمنيت جبرو(Timnit Gebru) عن التحيزات الكامنة داخل الخوارزميات، وأجبرت العالم على الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا كما يُروَّج له. وعلى الخط نفسه، عمّقت كيت كروفورد(Kate Crawford) هذا الطرح، حين ربطت بين التكنولوجيا وموازين القوة، مؤكدة أن من يملك تصميم الخوارزميات يملك، بشكل أو بآخر، إعادة تشكيل الواقع.

وعلى مستوى القيادة التنفيذية، تظهر ميرا موراتي (Mira Murati)كنموذج لامرأة لا تعمل داخل المنظومة فحسب، بل تشارك في توجيهها، حيث توازن بين الطموح التقني والمسئولية الأخلاقية. هذا النوع من القيادة يعكس انتقال المرأة من موقع “المنفّذ” إلى موقع “صانع القرار”، وهو انتقال جوهري في فهم دورها في الثورة الرقمية.

الاكتفاء بهذه النماذج العالمية_بطبيعة الحال _يُبقي السرد ناقصًا، وكأن الابتكار حكر على جغرافيا بعينها. والحقيقة أن المرأة العربية، والمصرية تحديدًا، بدأت تكتب حضورها الخاص في هذا المجال، وإن كان بصوت أقل صخبًا لكنه لا يقل تأثيرًا.

نجد د. رنا القليوبي في مقدمة هذه النماذج، حيث شاركت في تأسيس شركة Affectiva، وفتحت مجالًا جديدًا يُعرف بـ”الذكاء العاطفي”، الذي يمكّن الآلة من قراءة تعبيرات الوجه وفهم المشاعر. هذا الإنجاز لا يكمن فقط في تقدمه التقني، بل في كونه أعاد إدخال “الإنسان” إلى قلب المعادلة الرقمية، بعد أن كادت التكنولوجيا تفصله عن ذاته.

ومن داخل ام الدنيا مصر، يتواصل هذا الحضور عبر أسماء أكاديمية وبحثية، مثل د. نجوى البنداري، التي أسهمت في تطوير البحث العلمي في مجالات النظم الذكية، وأسهمت في إعداد أجيال قادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي ليس كأداة، بل كحقل معرفي متكامل. كما تمثل د.عبير السيد نموذجًا للباحثة المصرية التي توظف الذكاء الاصطناعي في مجالات تطبيقية مثل تحليل البيانات والرعاية الصحية، بما يعكس ارتباط الابتكار بحاجات المجتمع.

ولا يمكن إغفال دور البيئة المؤسسية، حيث تسهم جهات مثل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية في دعم برامج التدريب والتأهيل، ما أتاح لعدد متزايد من الفتيات دخول هذا المجال بثقة وكفاءة. وهنا، لا يعود النجاح فرديًا، بل يصبح جزءًا من منظومة تتشكل تدريجيًا.

وفي العالم العربي، تبرز أيضًا سارة الأميري كنموذج لقيادة تربط بين السياسات العامة والتكنولوجيا، وتسهم في دفع الابتكار على مستوى الدولة، بينما تقدم حياة سندي مثالًا على توظيف العلم والتقنية في خدمة المجتمعات، وهو جوهر أي تطور حقيقي.

هذه النماذج، على اختلاف مواقعها، تكشف حقيقة واحدة: أن المرأة لا تدخل عالم الذكاء الاصطناعي لتكرار ما هو قائم، بل لإعادة صياغته. فهي تميل إلى بناء أنظمة أكثر عدالة، وتدفع باتجاه تقنيات تراعي الإنسان لا تختزله، وتفتح النقاش حول حدود التطور ومعناه.

وربما تكمن المفارقة في أن التكنولوجيا، التي صُممت طويلًا بعقلية تميل إلى الصرامة والاختزال، أصبحت اليوم في حاجة ماسّة إلى هذا النفس الإنساني الذي تحمله المرأة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، يظل انعكاسًا لمن يصنعه. وإذا كان صانعوه يفتقرون إلى التنوع، فإن نتائجه ستكون قاصرة، بل وربما ظالمة.

لقد انتقلت المرأة من موقع الانتظار إلى موقع الفعل، ومن الهامش إلى المركز. لم تعد تسأل عن مكانها في هذا العالم، بل تعيد رسم هذا المكان. وهي حين تقود، لا تفعل ذلك بمنطق السيطرة، بل بمنطق التوازن؛ توازن بين الابتكار والمسؤولية، بين التقدم والقيم، بين الممكن والواجب.

إذن بنظرة إجمالية نجد ان ما نشهده ليس مجرد صعود نسائي في مجال تقني، بل نشهد إعادة تعريف للذكاء نفسه. ذكاء لا يُقاس بسرعة المعالجة أو دقة الخوارزمية فقط، بل بقدرته على خدمة الإنسان، وصون كرامته، وبناء عالم أكثر عدلًا. وفي هذا التعريف الجديد، تقف المرأة لا كاستثناء، بل كأحد أهم صُنّاع القاعدة.

وصدق من قال:النساء قادمات!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى