أخر الأخبار

قلبٌ من ذهب تحت سقف الطين” بقلم / الكاتبة الصحفية دلال ندا 

“قلبٌ من ذهب تحت سقف الطين”

 

 

بقلم / الكاتبة الصحفية دلال ندا

أمي…

كانت أحنّ قلب مشى على الأرض، رغم قسوتها الظاهرة. قوية، ذكية، تعرف طريقها في الحياة رغم أنها لم تعرف طريق المدرسة. كانت أمّية في القراءة، لكنها عبقرية في الفهم، مدبّرة من الطراز النادر، وعمود البيت الذي لا يميل.

 

وقفت بجوار أبي كما تقف الجبال أمام الرياح. ربّت الطيور، باعت البيض واللبن والجبن، وكانت تدّخر القرش فوق القرش، لا تضيّع شيئًا ولا تستهين بشيء. أبي كان يضع كل ماله في يديها وهو مطمئن، كان يعرف أن المال في يد أمي يزيد، لا ينقص. وكانت تجمع ما ادّخرت وتمنحه له ليبنوا بيتًا جديدًا بعيدًا عن بيت العائلة.

 

كل إخوتي وُلدوا في بيت العيلة… إلا أنا.

أنا وُلدت في البيت الجديد، وكأن القدر خصّني بقصة مختلفة، ورباط لا ينفصم بيني وبين أمي. كنت متعلقة بها بشكل لا يُوصَف، أحبّها أكثر من أي شيء في الدنيا. كنت ظلّها الذي لا يفارقها.

 

كنت أذهب معها لزيارة جدتي وخالاتي، أخرج معها ومع أبي لزيارة أولياء الله الصالحين، خاصة السيدة زينب. كنت في الرابعة من عمري، صغيرة جدًا، لكن قلبي كان يرتجف خوفًا من الناس الجالسين على الطرقات… من فقد ذراعه، ومن فقد ساقه، ومن حمل جسده فوق عاهته. كنت أتشبث بملابس أمي بقوة، فأسمع دقات قلبي أعلى من كل الأصوات.

 

بعد الزيارة، كنا ندخل مطعمًا صغيرًا، نأكل الدجاج المشوي أو اللحم، ثم نعود إلى قريتنا مع الغروب، محمّلين بالتعب والطمأنينة معًا.

 

وفي الليل…

كانت أمي تبدأ حكاية أخرى.

تسهر لصناعة كعك وبسكويت العيد، وأنا أجلس بجوارها، أراقب يديها وهي تشكّل الفرح في قوالب من عجين. أراقب النار وهي تحتضن صبرها داخل الفرن. كانت تضحك لي، وتتركني أساهم معها وكأنني شريكة حقيقية في صنع العيد.

 

اليوم، عندما أتذكر أمي، لا أتذكر فقط أمًّا…

أتذكر وطنًا صغيرًا كان يسكن حضنها،

وأتذكر أن أقوى النساء… قد لا يعرفن الحروف، لكنهن يكتبن أعظم القصص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى