أخر الأخبار

المرايا الملوّنة  د. شيرين شيحه

المرايا الملوّنة

د. شيرين شيحه

هل نرى بعضنا حقاً؟

أقصد، هل نرى الناس كما هم على حقيقتهم.. أم كما نتخيلهم؟

 

الإنسان حين ينظر إلى شخص آخر لا يرى إلا الجزء الذي تسمح له الظروف والوقت أن يراه.. الجزء الذي يسمح له الآخر برؤيته، إنه لا يرى حقيقته الكاملة، لأن الحقيقة الكاملة لأي إنسان معقدة جدا، وفيها ما لا يمكن أن نراه أبدًا.

أما الجزء الأكبر من حقيقة هذا الآخر هو ما يُسقطه الرائي عليه من تجاربه وخبراته وتصوراته عن البشر والحياة التي تُشكلها عوامل كثيرة متشابكة..

أعني إننا في كثير من الأحيان نجعل الآخر مرآة نرى فيها ما يشبهه داخلنا..

المرايا في الأصل شفافة لا لون لها، ونحن في الحقيقة لا نراها ولا نلتفت لها لأننا دائما نركز على صورتنا داخلها..

نحن نحكم على الناس من خلال انطباع.. كلمة.. ردة فعل وكلها زاويا صغيرة من شخصياتهم

ثم نُسّلم بهذا الحكم وكأننا نملك تحليلا مفصلا كاملا عن أرواحهم،

ويزداد الأمر تعقيدا عندما يكون هذا الآخر بعيدًا عنا لا تربطنا به أحزان وأفراح وآلام مشتركة.. لم نتنفس نفس الهواء الذي يملأ رئتيه.. لم نجربه حين يغضب ويثور.. حين يعطف ويواسي.. لم نختبر صفاته البشرية في تقلبات النفس كما خلقها الله..

إن أسوأ وهمٍ بشري هو أن نظن أننا نعرف “حقيقة إنسان ” بينما لم نختبر منه إلا أثرًا، ابتسامة، مقولة، أو سلوكًا واحدًا اجتزأناه من سياقه..

 

نحن نرتبط بالكلمات التي تمسّنا، وبالموسيقى التي تفتح أبوابًا للجمال داخلنا،

لذلك نحب الكاتب ذلك الكائن النبيل الذي نعتقد أن نصوصه مرآة صافية لروحه.. نحب الفنان والشاعر والتشكيلي.. نحب “الفكرة” التي صنعها الفن،

 

فهل نحب حقا الشخص الذي صنع الفكرة؟

 

نحن نحب عقل الأديب لا شخصه.. صورة الفنان لا حياته الحقيقية.. فكرة الكاتب لا تفاصيل يومه وأخطائه وضعفه..

الكاتب والفنان ” الإنسان الحقيقي”بضعفه، يومياته، انفعاله، تقلبه.. هو مجهول بالنسبة لنا..

 

نحن نحب القصيدة التي جعلتنا نبكي من الحنين أو من الألم.. نحب العالم الذي بناه الروائي وجعلنا نعيشه بكل تفاصيله البعيدة.. نحب الفنان في تلك اللحظة التي شعرنا فيها أنه لامس ما بداخلنا، فهمنا وترجمنا دون أن يعرفنا..

 

ولهذا تكون صدمة القرب كبيرة عند من يقتربون من نجومهم..

يتفاجأ البشر حين يقتربون من بعضهم بأن الصورة ليست كما تخيلوها..

 

لا يعني هذا أن الكاتب يبيع كذبة أو وهم ، إنه يحاول أن يرسم صورة ممكنة للذات المثالية ، نسخة أرقى أو أعمق أو أجمل مما هو عليه في الحقيقة. ليست وظيفته أن يكون صادقًا في سيرته، بل أن يكون صادقًا في فنه ، وإذا خُيّل إلينا أنه يقدّم نفسه كاملاً فذلك لأنّنا نحن الذين أردنا أن نراه كاملاً..

نحن نرى الآخرين من خلال أنفسنا.. لا من خلالهم..

 

ولهذا كان الحكم السريع خطأ..

والخلاف المفاجئ مبنيًا على سوء فهم..

والحب الذي يولد من بعيد ناقصا

والكراهية التي تظهر بلا سبب انعكاسا لصراع داخلي لا علاقة له بالآخر أصلًا..

 

وفي النهاية، ما نحبّه أو نكرهه في الآخر هو في الحقيقة شيء في داخلنا، لا في داخله..

 

نحن لا نُرى كما نحن ، بل كما يستطيع الآخرون أن يرونا.. ولا نستطيع أن نجزم بشكل قاطع بحقيقة لإنسان تُرى من الخارج، لأن كل نظرة تحمل معها تاريخ صاحبها وتجاربه وانكساراته وتوقعاته..

وما دمنا نعيش بين مرايا مختلفة، فلن نعجب إذا بدا لكل مرآة لون ووجهٌ آخر..

د. شيرين شيحه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى