الدكـــروري يكتب: شهر البر والصوم والصلاة والرحمة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا، أما بعد إن قلوب البشر يعتريها ما يعتري غيرها من عوامل التأثير، فقد تصدأ كما يصدأ الحديد وتجف كما يجف الضرع، وتيبس كما ييبس الزرع، فهي أحوج ما تكون إلى ما يعيد مادة النماء إليها، فيجلو صدأها ويدر جفافها، ينبت يبسها، فإن النفس قد تلهو مع زحام الأيام وكدحها حتى تتراكم عليها الشواغل فتحجزها عن مقومات التصفية والتخلية فضلا عن شحذها وتحليتها، ألا إن الشهر الذي أظلكم لهو خير معين على ذلك كله، إنه ” شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان ”
إنه شهر البر والصوم والصلاة والرحمة والتراحم، شهر لجام الشهوات، وقسر النفس وأطرها على البر أطرا، وإخراجها من دائرة توهم الكمال الزائف الذي يشكل حاجزا وهميا آخر يحول دون إغتنام الفرص، وإنتشال النفس، كذلكم من كثرة الإشتغال بمباحات تزاحم الطاعات فينغمس المرء فيها حتى يثقل، ويركن إليها حتى يبرد، فيفوت من الطاعات ما يجعله أسير هواه وكسله وركونه، ألا إن هذا الشهر المبارك شهر الإستزادة من التقوى وليس ثمة أحد يستغني عن الإستزادة من الطاعة والتفرغ لها في شهر رمضان، فلقد شغلتنا أموالنا وأهلونا عن صقل قلوبنا وتخليتها إستعدادا لتحليتها، وإن في بعض القلوب لقسوة، فلتستلهم خلق الرحمة من رمضان، وإن في بعض الأموال لجفاء فلنلتمس لها النماء والذكاء في رمضان، وإن في بعض الألسن لسلاطة وحدّة.
فلنلتمس طيب الكلام في رمضان، وإن في بعض الجسوم لكسلا فلتلتمس القوة والهمة في رمضان، وإنه شهر متكامل يجمع كل مقومات التقوى لمن يبحث عنها، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، فإن المرء الغيور ليؤسفه أشد الأسف ما يراه في كثير من الناس في هذا الشهر المبارك من سلوك طريق تقليدية يحكمها طبع العادة والرتابة لا طبع الطاعة والعبادة، دون تأمل منهم بأن هذا الشهر المبارك شهر تشد النفوس فيه إلى رفع درجة القرب من دين الله، يذكرهم هذا الشهر بحق الله تعالى عليهم، تشم رائحة العاطفة الإيمانية في أكثر من مجلس يجلس فيه، يحس فيه بإقبال الناس على العبادة والعمل الصالح، وقراءة القرآن، حتى إنهم ليرفعون بذلكم درجة الإستعداد لتغيير ما في نفوسهم حتى يغير الله ما بهم.
فاتقوا الله معاشر الصائمين واعلموا أن هذا الشهر الكريم يحمل في طياته معنى الجود والإنفاق والشفقة، فهو شهر النفوس السخية والأكف الندية، شهر يشرئب فيه المنكوبون إلى أيادي ذوي اليسار والجدة، فليكن للمرء في ذلك سهم راجح ولا يترددن لحظة واحدة في كفكفة دموع المعوزين واليتامى والأرامل من أهل بلده ومجتمعه، ولا يشحّن عن سد مسغبتهم وتجفيف فاقتهم، وحذاري حذاري من البخل والإقتار، فإنهما معرة مكشوفة السوأة، ناهيكم عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد إستعاذ بربه منهما، وهو من كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حتى يكون كالريح المرسلة، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئا فقال لا، ثم إن هذا التحضيض غير قاصر على ذوي المسكنة وحسب، بل إنه ليرتد أمانه وبشارته إلى الباذلين أنفسهم
والمعنى أن ذا الجود والسخاء إذا هم بالصدقة إنشرح لها صدره، وطابت بها نفسه، وتاقت إلى المثوبة فتوسعت في الإنفاق، ولا يضيره الحديث، بل هو يتسع معه حيثما اتسع، بيد أن البخيل القتور إذا حدّث نفسه بالصدقة جبن عنها وضاق صدره وانقبضت يداه وأحس كأنما ينفق من عمره وفؤاده حتى يعيش في أنانية ضيقة لا يرى فيها إلا نفسه، غير مكترث بذوي الحاجة والفاقة، وإن هذا وأمثاله قد وضعوا الإصر والأغلال في أيديهم وجعلوها مغلولة إلى أعناقهم، ألا إنه ليس شيء أشد على الشطان وأبطل لكيده وأدحر لوسواسه من صدقة طيبة، يعلن بها الباذل إنتصاره على هواه وعلى الشيطان في تخويفه، وما يعد به العباد من الفقر.



