الضجيج في زمن البلادة .. الكاتبة/ الزهرة العناق

 

في زمن اختلطت فيه الأصوات بالعناوين الرنانة، وضاع فيه الفرق بين المعرفة و الثرثرة، صرنا نعيش واقعا مخيفا إسمه “الضجيج في زمن البلادة”. ضجيج لا يصنع وعيًا، ولا يبني وطنًا، بل يعمق الجهل ويفتح أبواب الشتات.

أصبح بإمكان أي شخص أن يتحدث في كل شيء، دون أن يمتلك شيئًا من أدوات الفهم أو التحليل أو الجزم أو حتى الصدق مع النفس. تجد من لا علاقة له بالتاريخ ولا بالسياسة ولا بالدين، يخوض في قضايا كبرى تتطلب علما وتبصرا، كأنه صاحب اختصاصات أو خبير في السياسات الدولية، وهو في الواقع لم يقرأ كتابًا في حياته، ولا يعرف من التاريخ إلا أسماء من منشورات متداولة على مواقع التواصل.

بلادة الفكر أخطر من الجهل، لأنها لا تعترف بحدود الجهل، بل تمنحه جرأة الحديث بلا حياء. وهنا تبدأ الكارثة: حين يصدح الجاهل بما لا يعلم، ويستمع له الآخر كأنه حكيم، فيضل غيره، ويخلط الأوراق، ويزرع الشك في العقول، وهو لا يدري أنه أداة لهدم الوعي لا لبنائه.

كيف لشخص لا يستطيع أن يقيم العدل في بيته، أو يحترم جاره، أن ينادي بالحرية والكرامة؟

كيف لمن يظلم نفسه في خياراته و سلوكياته، أن يرفع شعار “لا للظلم”؟

هؤلاء لا يفرقون بين الحق و النفاق، فهم لا يطلبون إصلاحات بقدر ما يبحثون عن متنفس لصراخهم الداخلي، فيطلقونه كالقنابل في وجه الأوطان و الرموز، دون حساب أو تفكير.

المصيبة أن هذا الضجيج يبلغ قمته حين يدعو بعضهم على بلد آخر بالتمزق و الشتات، ظنا منهم أن انهيار الأوطان مجرد لحظة انتصار للغضب، لا يدركون أن النار التي يدعون بها لا تحرق إلا أهلها. إن الوطن، مهما قسى، يبقى حضنا، و الانفجار لا يولد عدلا بل فوضى.

اليوم نحن في أمس الحاجة إلى غربلة الكلام، و فرز الصامتين عن الجاهلين، وإعلاء صوت العقل على طنين الشعارات. فمن لم يفهم التاريخ، فليس مؤهلاً للحكم على الحاضر، ومن لم يضبط نفسه، لن يضبط وطنًا، ومن لم يعرف مسؤولية الكلمة، فليصمت، فالصمت في زمن البلادة، حكمة.

ولعل أخطر ما نواجهه ليس فقط الفقر أو الظلم، بل هذا الضجيج الذي يخنق النور، ويفتح الأبواب أمام كل عابر طريق ليتحول إلى منظر أو إمام وهمي.

السكوت أحيانا فضيلة، لكنه في زمن البلادة، أصبح ضرورة أخلاقية.

لنتكلم عندما نعي ما نقول أو لنصمت 

فقد سئمت الأرض ضجيجا بلا معنى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى