الكيل بمكيالين كتبت عبير الزلفى

الكيل بمكيالين
كتبت عبير الزلفى
حين يختل الميزان
الكيل بمكيالين ليس سلوكًا عابرًا، بل خلل أخلاقي عميق، يبدأ بكلمة ويُفضَح بالفعل.
أن تقول الوعود ذاتها، ثم تُنفَّذ على شخص وتُحجَب عن آخر، مع تساوي المكانة والحق، فذلك ليس اختلاف ظروف… بل اختلاف ضمير.
الفلاسفة توقفوا طويلًا أمام هذا السلوك.
أرسطو رأى أن العدل هو المساواة بين المتساوين، وأي إخلال بهذه القاعدة ليس ظلمًا للآخر فقط، بل فساد في نفس الفاعل.
أما كانط فاعتبر أن الإنسان العادل هو من يلتزم بالفعل لأنه صواب، لا لأنه نافع، ومن يفرّق بين الناس بدافع المصلحة، فقد حوّل القيم إلى أدوات، والإنسان إلى وسيلة.
من زاوية نفسية، يفسّر علماء النفس هذا السلوك بأنه نابع من:
ازدواجية المعايير: حيث يمنح الشخص نفسه حق الاستثناء، ويُخضع غيره للقواعد.
النفاق الاجتماعي: قول ما يُرضي الجميع، وفعل ما يخدم الذات.
ضعف التعاطف: إذ يرى الآخر أقل استحقاقًا، لا لسبب حقيقي، بل لهوى داخلي.
والأثر النفسي لا يقع على الضحية وحدها، بل يعود على الفاعل ذاته؛
فالدراسات النفسية تشير إلى أن من يمارس الظلم الانتقائي يعيش صراعًا داخليًا دائمًا، ويحتاج لتبرير سلوكه باستمرار، ما يخلق توترًا خفيًا وقلقًا أخلاقيًا.
أما في الميزان الإلهي، فالأمر أوضح وأشد.
قال الله تعالى:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾
والتطفيف هنا لا يقتصر على الميزان المادي، بل يشمل ميزان القيم، والعدل، والحقوق.
جزاء الكيل بمكيالين ليس فقط حسابًا مؤجلًا،
بل سقوطًا أخلاقيًا عاجلًا،
وفقدانًا للثقة،
وعزلة روحية لا يراها صاحبها إلا متأخرًا.
العدل لا يحتاج إلى مصلحة ليُطبَّق،
ولا إلى حب ليُمنَح،
فالذي لا يعدل إلا إذا أحب،
لن يعدل يومًا…
لأن العدل الحق لا يُختار، بل يُلتزم.






